الذي أحياه عليه السلام والطير الذي خلق ينص القرآن فإن الله تعالى أحياه وخلقه وعيسى عليه الصلاة والسلام أحياه وخلقه بنص القرآن فهذا كله فعل من فاعلين بلا شك وبالله تعالى التوفيق وهكذا القول في قوله تعالى « وأحلوا قومهم دار البوار جهنم » وقد علمنا يقينا أن الله تعالى هو الذي أحلهم فيها بلا شك لكن لما ظهر منهم السبب الذي حلوا به دار البوار أضيف ذلك إليهم كما قال تعالى عن إبليس « كما أخرج أبويكم من الجنة » وقد علمنا أن الله تعالى هو أخرجهما وأخرج إبليس معهما ولكن لما ظهر من إبليس السبب في خروجهما أضيف ذلك إليه وكما قال تعالى « لتخرج الناس من الظلمات إلى النور » فنقول أن محمدا صلى الله عليه وسلم أخرجنا من الظلمات إلى النور وقد علمنا أن المخرج له عليه السلام ولنا هو الله تعالى لكن لما ظهر السبب في ذلك منه عليه السلام أضيف الفعل إليه فهذا كله لا يوجب الشركة بينهم وبين الله تعالى كما تموه المعتزلة وكل هذا فعل من فاعلين وكذلك سائر الأفعال الظاهرة من الناس ولا فرق وقال تعالى « إنما نملي لهم ليزدادوا إثما » وقال تعالى « وأملي لهم إن كيدي متين » وقال تعالى « الشيطان سول لهم وأملى لهم » فعلمنا ضرورة أن إملاء الله تعالى إنما هو تركه إياهم دون تعجيل عقاب بل بسط لهم من الدنيا ومد لهم من العمر ما كان لهم عونا على الكفر والمعاصي وعلمنا أن إملاء الشيطان إنما هو بالوسوسة وإنساء العقاب والحض لهم على المعاصي وقال تعالى « أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون » فهذا فعل من فاعلين ضرورة نسب إلى الله تعالى لأنه اخترعه وخلقه وإنما نسب إلينا لأننا تحركنا في زرعه فظهرت الحركة المخلوقة فينا فهذه كلها أفعال خلقها الله تعالى وأظهرها في عباده فقط وبالله تعالى نتأيد
قال أبو محمد وتحقيق هذا القول في الأفعال هو أن الله سبحانه وتعالى خلق كل ما خلق قسمين فقط جوهرا حاملا وعرضا محمولا
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 78
مساهمون: ابن حزم
ص٧٨