هذا من عند الله فأكذبهم الله تعالى في ذلك وأخبر أنه ليس منزلا من عنده ولا مما أمر به عز وجل ولم يقل هؤلاء القوم أن هذا الكتاب مخلوق فأكذبهم الله تعالى في ذلك وقال تعالى أن ذلك الكتاب ليس مخلوقا لله تعالى فبطل تعلقهم بهذه الآية جملة ولا شك عند المعتزلة وعندنا في أن ذلك الكتاب مخلوق لله تعالى لأنه قرطاس أو أديم ومداد وكل ذلك مخلوق بلا شك وأما قوله تبارك وتعالى الله أحسن الخالقين فقد علمنا أن كلام الله تعالى لا يتعارض ولا يتدافع وقال تعالى « ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا » فإذا لا شك في هذا فقد وجدناه تعالى أنكر على الكافرين فقال تعالى « أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار » فهذه الآية بينت ما تعلق به المعتزلة وذلك أن قوما جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فجعلوهم خالقين فأنكر الله تعالى ذلك فعلى هذا خرج قوله تعالى « فتبارك الله أحسن الخالقين » كما قال تعالى « يكيدون كيدا وأكيد كيدا » وقال « ومكروا ومكر الله » ويبين بطلان ظنون المعتزلة في هذه الآية قول الله تعالى « ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد » أفيكون مسلما من أوجب لله تعالى شركاء من أجل قول الله تعالى للكفار الذين جعلوا له شركاء أين شركائي ولا شك في أن هذا الخطاب إنما خرج جوابا عن إيجابهم له الشركاء تعالى الله عن ذلك وكذلك قوله تعالى « ذق إنك أنت العزيز الكريم » وقد علمنا أن كلام الله تعالى كله هو على حكم ذلك المعذب لنفسه في الدنيا أنه العزيز الكريم وقد علمنا بضرورة العقل والنص أنه ليس لله تعالى شركاء وأنه لا خالق غيره عز وجل وأنه خالق كل شيء في العالم من عرض أو جوهر وبهذا خرج قوله تعالى « أحسن الخالقين » مع قوله تعالى « أفمن يخلق كمن لا يخلق » فلو أمكن أن يكون في العالم خالق غير الله تعالى يخلق شيئا لما
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 63
مساهمون: ابن حزم
ص٦٣