وأعمالا قال تعالى « كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون » فأثبت
الله لهم الفعل وكذلك نقول أن الإنسان يصنع لأن النص قد جاء بذلك ولولا النص ما أطلقنا شيئا من هذا وكذلك لما قال الله تعالى « وفاكهة مما يتخيرون » علمنا أن للإنسان اختيارا لأن أهل الدنيا وأهل الجنة سواء في أنه تعالى خالق أعمال الجميع على أن الله تبارك وتعالى قال « وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة » فعلمنا أن الاختيار الذي هو فعل الله تعالى وهو منفي عن سواه هو غير الاختيار الذي أضافه إلى خلقه ووصفهم به ووجدنا هذا أيضا حسا لأن الاختيار الذي توحد الله تعالى به هو أن يفعل ما يشاء كيف شاء وإذا شاء وليست هذه صفة شيء من خلقه وأما الاختيار الذي أضافه الله تعالى إلى خلقه فهو ما خلق فيهم من الميل إلى شيء ما والإيثار له على غيره فقط وهنا غاية البيان وبالله تعالى التوفيق ومنها أن الاشتراك في الأسماء لا يقع من أجله التشابه ألا ترى أنك تقول الله الحي والإنسان حي والإنسان حليم كريم عليم والله تعالى حكيم كريم عليم فليس هذا يوجب اشتباها بلا خلاف وإنما يقع الاشتباه بالصفات الموجودة في الموصوفين والفرق بين الفعل الواقع من الله عز وجل والفعل الواقع منا هو أن الله تعالى اخترعه وجعله جسما أو عرضا أو حركة أو سكونا أو معرفة أو إرادة أو كراهية وفعل عز وجل كل ذلك فينا بغير معاناة منه وفعل تعالى لغيره علة وأما نحن فإنما كان فعلا لنا لأنه عز وجل خلقه فينا وخلق اختيارنا له وأظهره عز وجل فينا محمولا لاكتساب منفعة أو لدفع مضرة ولم نخترعه نحن وأما من قال بالاستطاعة قبل الفعل فعمدة حجتهم أن قالوا لا يخلو الكافر من أحد أمرين أما أن يكون مأمورا بالإيمان أو لا يكون مأمورا به فإن قلتم أنه غير مأمور بالإيمان فهذا كفر مجرد وخلاف للقرآن والإجماع وإن قلتم هو مأمور بإيمان وهكذا تقولون فلا يخلو
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 25
مساهمون: ابن حزم
ص٢٥