أنه لا يقوم وأن الصحيح الجوارح لا ندري إذا رأيناه قاعدا أيقوم أم يتكئ أم يتمادى على قعوده وكل ذلك منه ممكن وأما من طريق اللغة فإن الإجبار والإكراه والاضطرار والغلبة أسماء مترادفة وكلها واقع على معنى واحد لا يختلف وقوع الفعل ممن لا يؤثره ولا يختاره ولا يتوهم منه خلافة البتة وأما من آثر ما يظهر منه من الحركات والاعتقاد ويختاره ويميل إليه هواه فلا يقع عليه اسم إجبار ولا اضطرار لكنه مختار والفعل منه مراد متعمد مقصود ونحو هذه العبارات عن هذا المعنى في اللغة العربية التي نتفاهم بها فإن قال قائل فلم أبيتم ها هنا من إطلاق لفظه الاضطرار وأطلقتموها في المعارف فقلتم أنها باضطرار وكل ذلك عندكم خلق الله تعالى في الإنسان فالجواب أن بين الأمرين فرقا بينا وهو أن الفاعل متوهم منه ترك فعله وممكن ذلك منه وليس كذلك ما عرفه يقينا ببرهان لأنه لا يتوهم البتة انصرافه عنه ولا يمكنه ذلك أصلا فصح أنه مضطر إليها وأيضا فقد أثنى الله عز وجل على قوم دعوه فقالوا « ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به » وقد علمنا أن الطاقة والاستطاعة والقدرة والقوة في اللغة العربية ألفاظ مترادفة كلها واقع على معنى واحد وهذه صفة من يمكن عنه الفعل باختياره أو تركه باختياره ولا شك في أن هؤلاء القوم الذين دعوا هذا الدعاء قد كلفوا شيئا من الطاعات والأعمال واجتناب المعاصي فلو لا أن ها هنا أشياء لهم بها طاقة لكان هذا الدعاء حمقا لأنهم كانوا يصيرون داعين الله عز وجل في أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به وهم لا طاقة لهم بشيء من الأشياء فيصير دعاؤهم في أن لا يكلفوا ما قد كلفوه وهذا محال من الكلام والله تعالى لا يثني على المحال فصح بهذا أن ها هنا طاقة موجودة على الأفعال وبالله تعالى التوفيق
وأما احتجاجهم بأن الله تعالى لما كان فعالا وجب أن لا يكون فعال غيره فخطأ من القول لوجوه أحدها أن النص قد ورد بأن للإنسان أفعالا
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 24
مساهمون: ابن حزم
ص٢٤