تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
الاستطاعة هو غير المستطيع الذي كان ولم يعدم هذا أمر يعرف بالمشاهدة والحس وبهذا أيقنا أن الاستطاعة عرض من الأعراض تقبل الأشد والأضعف فنقول استطاعة أشد من استطاعة واستطاعة أضعف من استطاعة وأيضا فإن الاستطاعة لها ضد وهو العجز والأضداد لا تكون إلا أعراضا تقتسم طرفي البعد كالخضرة والبياض والعلم والجهل والذكر والنسيان وما أشبه هذا وهذا كله أمر يعرف بالمشاهدة ولا ينكره إلا أعمى القلب والحواس ومعاند مكابر للضرورة والمستطيع جوهر والجوهر لا ضد له فصح بالضرورة أن الاستطاعة هي غير المستطيع بلا شك وأيضا فلو كانت الاستطاعة هي المستطيع لكان العجز أيضا هو العاجز والعاجز هو المستطيع بالأمس فعلى هذا يجب أن العجز هو المستطيع فإن تمادوا على هذا لزمهم أن العجز عن الأمر هو الاستطاعة عليه وهذا محال ظاهر فإن قالوا أن العجز غير المستطيع وهو آفة دخلت على المستطيع سئلوا عن الفرق الذي من أجله قالوا إن الاستطاعة هي المستطيع ومنعوا أن يكون العجز هو العاجز ولا سبيل إلى وجود فرق في ذلك وبهذا نفسه يبطل قول من قال أن الاستطاعة هي بعض المستطيع سواء بسواء لأن العرض لا يكون بعضا للجسم وأما من قال أن الاستطاعة كل ما توصل به إلى الفعل كالإبرة والدلو والحبل وما أشبه ذلك فقول فاسد تبطله المشاهدة لأنه قد توجد هذه الآلات وتعدم صحة الجوارح لا يمكن الفعل فإن قالوا قد تعدم هذه الآلات وتوجد صحة الجوارح ولا يمكن الفعل قلنا صدقتم وبوجود هذه الآلات تم الفعل إلا أن لفظة الاستطاعة التي في معناها نتنازع هي لفظة قد وضعت في اللغة التي بها نتفاهم ونعبر عن مرادنا على عرض في المستطيع فليس لأحد أن يصرف هذه اللفظة عن موضوعها في اللغة برأيه من غير نص ولا إجماع ولو جاز هذا لبطلت الحقائق ولم يصح تفاهم أبدا وقد علمنا
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 28 | ابن حزم