تعالى فعالا وكان لا يشبهه شيء من خلقه وجب أن لا يكون أحد فعالا غيره وقالوا أيضا معي إضافة الفعل إلى الإنسان إنما هو كما تقول مات زيد وإنما أماته الله تعالى وقام البناء وإنما إقامة الله تعالى
قال أبو محمد وخطأ هذه المقالة ظاهر بالحس والنص وباللغة التي بها خاطبنا الله تعالى وبها نتفاهم فأما النص فإن الله عز وجل قال في غير موضع من القرآن « جزاء بما كانوا يعملون » « لم تقولون ما لا تفعلون » وهملوا الصالحات فنص تعالى على أننا نعمل ونفعل ونصنع وأما الحس فإن بالحواس وبضرورة العقل وببديهة علمنا يقينا علما لا يخالج فيه الشك أن بين الصحيح الجوارح وبين من لا صحة بجوارحه فرقا لائحا لجوارحه لأن الصحيح الجوارح يفعل القيام والقعود وسائر الحركات مختارا لها دون مانع والذي لا صحة لجوارحه لو رام ذلك جهده لم يفعله أصلا ولا بيان أبين من هذا الفرق والمجبر في اللغة هو الذي يقع الفعل منه بخلاف اختياره وقصده فأما من وقع فعله باختياره وقصده فلا يسمى في اللغة مجبرا وإجماع الأمة كلها على لا حول ولا قوة إلا بالله مبطل قول المجبرة ووجب أن لنا حولا وقوة ولكن لم يكن لنا ذلك إلا بالله تعالى ولو كان ما ذهب إليه الجهمية لكان القول لا حول ولا قوة إلا بالله لا معنى له وكذلك قول تعالى « لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين » فنص تعالى على أن لنا مشيئة إلا أنها لا تكون منا إلا أن يشاء الله كونها وهذا نص قولنا والحمد لله رب العالمين
قال أبو محمد ومن عرف عناصر الأشياء من الواجب والممتنع والممكن أيقن بالفرق بين صحيح الجوارح وغير صحيحا لأن الحركة الاختيارية بأول الحس هي غير الاضطرارية وأن الفعل الاختياري من ذي الجوارح المؤوفة ممتنع وهو من ذي الجوارح الصحيحة ممكن وأننا بالضرورة نعلم أن المقعد لو رام القيام جهده لما أمكنه ونقطع يقينا
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 23
مساهمون: ابن حزم
ص٢٣