من أحد وجهين إما أن يكون أمر وهو يستطيع ما أمر به فهذا قولنا لا قولكم أو يكون أمر وهو لا يستطيع ما أمر به فقد نسبتم إلى الله عز وجل تكليف ما لا يستطاع ولزمكم أن تجيزوا تكليف الأعمى أن يرى والمقعد أن يجري أو يطلع إلى السماء وهذا كله جور وظلم والجور والظلم منفيان عن الله عز وجل وقالوا إذ لا يفعل المرء فعلا إلا باستطاعة موهوبة من الله عز وجل ولا تخلو تلك الاستطاعة من أن يكون المرء أعطيها والفعل موجود أو أعطيها والفعل غير موجود فإن كان أعطيها والفعل موجود فلا حاجة به إليها إذ قد وجد الفعل منه الذي يحتاج إلى الاستطاعة ليكون ذلك الفعل بها وإن كان أعطيها والفعل غير موجود فهذا قولنا أن الاستطاعة قبل الفعل قالوا والله تعالى يقول « ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا » قالوا فلو لم تتقدم الاستطاعة الفعل لكان الحج لا يلزم أحدا قبل أن يحج وقال تعالى « وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين » وقال تعالى « فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا » فلو كانت الاستطاعة للصوم لا تتقدم الصوم ما لزمت أحدا الكفارة به وقال تعالى « وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون » فصح أن استطاعة الخروج موجودة مع عدم الخروج وقال تعالى « فاتقوا الله ما استطعتم » ولهم أيضا في خلق الأفعال اعتراض نذكره إن شاء الله تعالى وبالله التوفيق والحمد لله رب العالمين
باب ما الاستطاعة
قال أبو محمد أن الكلام على حكم لفظه قبل تحقيق معناها ومعرفة المراد بها وعن أي شيء يعبر بذكرها طمس للوقوف على حقيقتها فينبغي أولا أن نوقف على معنى الاستطاعة فإذا تكلمنا عليه وقررناه