إلا بالله الرحيم الكريم وأما من قال إن قوله تعالى في يوم القيامة إنما هو مقدار خمسين ألف سنة لو تولى ذلك الحساب غيره فهو مكذب لربه تعالى مخالف للقرآن ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في طول ذلك اليوم وبضرورة العقل ندري أنه لو كلف جميع أهل الأرض محاسبة أهل حصروا واحد فيما أضمروه وفعلوه وموازنة كل ذلك ما قاموا به في ألف ألف عام فبطل هذا القول الكاذب بيقين لا شك فيه وبالله تعالى التوفيق
قال أبو محمد وإذ قد بينا بطلان قول المعتزلة في تحكمهم على ربهم وايجابهم عليه ما أوجبوا بآرائهم السخيفة وتشبيههم إياه بأنفسهم فيما يحسن منهم ويقبح وتجويزهم إياه فيما فعل وقضى وقدر فلنبين بحول الله وقوته أنهم المجورون له على الحقيقة لا نحن ثم نذكر ما نص الله تعالى عليه مصدقا لقولنا ومكذبا لقولهم وبالله تعالى التوفيق فنقول وبالله عز وجل نتأيد ان من المحال البين أن يقول المعتزلة أننا نجور الله تعالى ونحن نقول أنه لا يجور البتة ولا جار قط وإن كل ما فعل أو يفعل أي شئ كان فهو العدل والحق والحكمة على الحقيقة لا شك في ذلك وأنه لا جور الا ما سماه الله عز وجل جورا وهو ما ظهر في عصاة عبادة من الجن والإنس مما خالف أمره تعالى وهو خالقه فيهم كما شاء فكيف يكون مجور إليه عز وجل من هذه هي مقالته وإنما المجور لربه تعالى من يقول فيما أخبر الله عز وجل أنه خلقه هذا جور وظلم فإن قابل هذا القول لا يخلو ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما أما أنه مكذب لربه عز وجل في إخباره في القرآن أنه برأ المصائب كلها وخلقها وإنه تعالى خلقنا وما نعمل وأنه خلق كل شئ بقدر محرف لكلام ربه تعالى الذي هو غاية البيان عن مواضعه مبدل له بعدما سمعه وقد نص الله تعالى فيمن يحرف الكلم عن مواضعه ويبدله بعد ما سمعه ما نص فهذا
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 136
مساهمون: ابن حزم
ص١٣٦