والسلام مؤاخذين بالنسيان منهم أبونا آدم صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى « ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي » يريد نسيانه عداوة إبليس له الذي حذره الله تعالى منها ثم آخذه على ذلك وأخرجه من الجنة ثم تاب عليه وهذا كله على أصول المعتزلة جور وظلم تعالى الله عن ذلك وقال عز وجل ولو شاء الله ما أشركوا ولو في اللغة التي بها نزل القرآن حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره فصح يقينا أن ترك الشرك من المشركين ممتنع لامتناع مشيئة الله تعالى لتركه وقال تعالى « وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله » ومشيئة الله هي تفسير إذن الله وقال تعالى « ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله » فهذا نص جلي على أنه لا يمكن أحد أن يؤمن إلا بإذن الله عز وجل له في الإيمان فصح يقينا أن كل من آمن فلم يؤمن إلا بإذن الله عز وجل وأنه تعالى شاء أن يؤمن وأن كل من لم يؤمن فلم يأذن الله تعالى له في الإيمان ولا شاء أن يكون منه الإيمان هذا نص هاتين الآيتين اللتين لا يحتملان تأويلا غيره أصلا وليس لأحد أن يقول أنه تعالى عنى الإكراه على الإيمان لأن نص الآيتين مانع من هذا التأويل الفاسد لأنه تعالى أخبر أن كل من آمن فإنما آمن بإذن الله عز وجل وأن من لم يؤمن فإن الله تعالى لم يشاء أن يؤمن فيلزمهم على هذا أن كل مؤمن في العالم فمكره على الإيمان وهذا شر من قول الجهمية وأشد فإن قالوا أن أذن الله تعالى ها هنا إنما هو أمره لزمهم ضرورة أحد وجهين لا بد منهما إما أن يقولوا أن الله تعالى لم يأمر الكفار بالإيمان لأن النص قد جاء بأنه تعالى لو أذن لهم لآمنوا وأما أن يقولوا أن كل من في العالم فهم مؤمنون لأنهم عندهم مأذون لهم في الإيمان إذا كان الإذن هو الأمر وكلا القولين كفر مجرد ومكابرة للعيان ونعوذ بالله من الضلال
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 138
مساهمون: ابن حزم
ص١٣٨