قال أبو محمد الإذن ها هنا ومشيئته تعالى هو خلق الله تعالى للإيمان فيمن آمن وقوله لإيمانه كن فيكون وعدم إذنه تعالى وعدم مشيئته للإيمان هو أن لا يخلق في المرء الإيمان فلا يؤمن لا يجوز غير هذا البتة إذ قد صح أن الإذن ها هنا ليس هو الأمر وقال عز وجل « ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة »
فأخبر تعالى أنه هدى بعضهم دون بعض وهذا عند المعتزلة جور وقال تعالى « ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس » فنص على أنه خلقهم ليدخلهم النار نعوذ بالله من ذلك وقال تعالى « ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء »
وأمر تعالى أن ندعوه فنقول « ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا » فنص تعالى على زيغ قلوب من لم يهدهم من الذين زاغوا إذ أزاغ الله قلوبهم وقال تعالى « كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون » فقطع تعالى على أن كلماته قد حقت على الفاسقين أنهم لا يؤمنون فمن الذي حقق عليهم أن لا يؤمنوا إلا هو عز وجل وهذا جور عند المعتزلة
قال أبو محمد وكل آية ذكرناها في باب الاستطاعة منهن حجة عليهم في هذا الباب وكل آية نتلوها إن شاء الله عز وجل في باب إثبات أن الله عز وجل أراد كون الكفر والفسق بعد هذا الباب منهي أيضا حجة عليهم في هذا الباب وكذلك كل آية نتلوها إن شاء الله عز وجل في إبطال قول من قال ليس عند الله تعالى شيء أصلح مما أعطاه الله أبا جهل وفرعون وأبا لهب مما يستدعي إلى الإيمان فإنها حجة عليهم في هذا الباب وبالله تعالى التوفيق
قال أبو محمد واحتجت المعتزلة بقول الله تعالى « وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق » وبقوله تعالى « وما ربك بظلام للعبيد » وبقوله تعالى « وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 139
مساهمون: ابن حزم
ص١٣٩