لا محيد عنه وبالله تعالى التوفيق فإن قروا أن العقول والذكاء وقبول العلم ذكاء الخاطر ودقة الفهم غير موهوبة من الله تعالى عز وجل قلنا لهم فمن خلقها فإن قالوا هي فعل الطبيعة قلنا لهم ومن خلق الطبيعة التي فعلت العقول وكل ذلك بذلتها متفاضلة فمن قولهم أن الله تعالى خلقها فيقال لهم فهو موجب المحاباة إذ رتب الطبيعة رتبة المحاباة ولا بد وأن قالوا لم تخلق الطبيعة ولا العقول لحقوا بالدهرية وصاروا إلى ما لم يرد لهم المصير إليه وهذا لا مخلص لهم منه أصلا وبالله تعالى التوفيق وبالضرورة ندري أن من كان تميزه أتم كان اهتداؤه واعتصامه أتم على أصولهم وهذا هو المحاباة التي أنكروها وسموها ظلما وجورا
قال أبو محمد ومهما أمكنهم من الدفاع والقحة في شيء فإنه لا يمكنهم اعتراض أصلا في أن فضل الله تعالى على المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام وعلى يحيى بن زكريا إذ جعل عيسى نبيا ناطقا عاقلا في المهد رسولا حين سقوطه من بطن أمه وإذ آتى يحيى الحكم صبيا أتم وأعلا وأكثر من فضله على من ولد في أقاصي بلاد الخز والزنج حيث لم يستمع قط ذكر محمد صلى الله عليه وسلم إلا متبعا أقبح الذكر من التكذيب وأنه كان متخيلا وأكثر من فضله بلا شك على فرعون إذ دعا موسى عليه الصلاة والسلام فقال « ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما »
قال أبو محمد أن من ضل بعد هذا لضال وأن من قال أن فضل الله عز وجل وعطاءه لموسى وعيسى ويحيى ومحمد صلى الله عليه وسلم وعصمته لهم كفضله وعطائه على فرعون وملئه وعصمته لهم الذين نص عز وجل على أنه شد على قلوبهم شدا منعهم الإيمان حتى يروا العذاب الأليم فلا ينفعهم إيمانهم حينئذ لضعيف العقل قليل العلم مهلهل اليقين ولا بيان أبين
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 127
مساهمون: ابن حزم
ص١٢٧