الغراب فإن وجد عسل مر وقد وجدناه لم يبطل بذلك أن يكون عسلا وكذلك لو وجد غراب أبيض وقد وجد لم يبطل بذلك أن يكون غرابا فمثل هذا القسم لا يقطع على أنه موجود ولا بد أبدا فهذا الفرق بين ما شغب به من النبات لأنه إن توهم النبات أحمر أو أصفر لم يبطل أن يسمى نباتا ولكنه إن توهم أن يكون النبات غير نام من الأرض ولا متغذ برطوباتها منجذبا بحر الهواء ورطوبته فإنه لا يكون نباتا أصلا وأيضا فقد قال بعضهم أنه قد يعرفه الباري حيا من لا يعرفه حساسا متحركا بإرادة قيل له وقد يعرفه حيا من لا يعرف أن له حياة وقد يعرفه جسما من لا يعرفه مؤلفا ولا محدثا وليس توهم الجهال لما توهموه من الحماقات حجة على أهل العقول والعلوم والحمد لله رب العالمين
قال أبو محمد وبرهان ضروري وهو أن كل صفة في العالم فهي ضرورة ولا بد عرض بين الطرفين أو أحد ذينك الطرفين وأما ذات ضد فحاملها بالضرورة قابل للأضداد فلا عالم في العالم إلا والجهل منه متوهم ولا قادر في العالم إلا والعجز منه متوهم ولا حي في العالم إلا والسكون والحركة والحس والحذر متوهمات كلها منه وقد علمنا أن الله تعالى أرحم الراحمين حقا لا مجاز من أنكر هذا فهو كافر حلال دمه وماله وهو تعالى يبتلي الأطفال بالجدري وأواكل والجن والذبحة والأوجاع حتى يموتوا وبالجوع حتى يموتوا كذلك ويفجع الآباء بالأبناء وكذلك الأمهات والأحباء بعضهم ببعض حتى يهلكوا ثكلا ووجدا وكذلك الطير بأولادها وليست هذه صفة الرحمة بيننا فصح يقينا أنها أسماء الله تعالى سمى الله تعالى بها نفسه غير مشتقة من صفة محمولة فيه تعالى حاشا له من ذلك فإن قالوا أن العالم القادر الحي الأول الرحيم بخلاف هذا قيل لهم صدقتم وهذا إبطال منكم لاستدلالكم بالشاهد بينكم على تسمية الباري وصفاته
قال أبو محمد أما وصفنا الباري تعالى بأنه الواحد الأول الحق الخالق من طريق الاستدلال فإنه لا يلزمنا في ذلك شيء مما ألزمناه خصومنا لأنه
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 161
مساهمون: ابن حزم
ص١٦١