تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
فإنما هي عرض فيه وأن الحياة في الحي المعهود بضرورة العقل عرض فيه أيضا وأن العلم في كل عالم في العالم كذلك وقد وافقونا على أن الباري تعالى بخلاف ذلك فإذ قد بطل أن يكون هذا موصوفا بصفة القادر فيما بيننا والعالم منا التي لولاها لم يكن العالم عالما والقادر قادرا فإن الفعل فيما بيننا لا يقع إلا من أهل تلك الصفة فقد بطل ضرورة أن يسمى الباري تعالى باسم قادرا وعالم أو حي استدلالا بأن الفعل فيما بيننا لا يقع إلا من عالم قادر وإذ قد جوزوا وجود علم ليس عرضا وحياة ليست عرضا وهذا أمر غير معقول أصلا فلا ينكروا وجود حي لا بحياة وسميع لا بسمع وبصير لا ببصر وكل هذا خروج عن المعهود ولا فرق وإنما يستجاز الخروج عن المعهود إذا جاء به نص من الخالق عز وجل أو قام به برهان ضروري وإلا فلا ولم يأت نص قط بلفظ الحياة ولا الإرادة ولا السمع ولا البصر واحتج بعضهم في معارضة من قال أن الحي لا يكون إلا حساسا متحركا بإرادة لأننا لم نشاهد قط حيا إلا حساسا متحركا بإرادة فقال هذا المعترض أن من اتفق له أن لا يرى نباتا إلا أخضر ولا أخضر إلا نباتا فقطع بأن كل أخضر فهو نبات فقد أخطأ قال أبو محمد فأول ما يقال له قل هذا لنفسك في استدلالك بأنك لم تر قط فعالا إلا حيا عالما قادرا ولا فرق ثم نعود بعون الله تعالى إلى بيان ما شغبوا به مما لا يعرفون الفرق بينه وبين ما يقع عليه فنقول وبالله تعالى التوفيق أن الأعراض تنقسم إلى قسمين أحدهما ذاتي لا يتوهم بطلانه ببطلان حامله كالحس والحركة الإرادية للحي وكذلك احتمال الموت للإنسان مع امكانية التمييز للعلوم والتصرف في الصناعات وما أشبه هذا ومن هذه الأعراض تقوم فصول الأشياء وحدودها التي تفرق بينها وبين غيرها من الأنواع التي تقع معها تحت جنس واحد فهذا القسم مقطوع على وجوده في كل ما وقع اسم حامله عليه والقسم الثاني غيري وهو ما يتوهم بطلانه ولا يبطل بذلك ما هو فيه كاجترار البعير وحلاوة العسل وسواد
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 160 | ابن حزم