يسمع ويبصر ويرى ويدرك في شيء لأن معنى كل هذا ومعنى العلم سواء ولا يجوز أن يكون معنى يخلق ويختار معنى العلم وأما العفو والغفور والرحيم والحليم والملك فلا يقتضي شيء من هذا وجود مرحوم معه ولا معفو عنه مغفور له معه ولا مملوك محلوم عنه معه بل هو تعالى رحيم بذاته عفو بذاته غفور بذاته ملك بذاته مع النص الوارد بأنه تعالى كان كذلك وهي أسماء أعلام له عز وجل فإن ذكروا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بينهم وبين أن يروه الأداء الكبرياء على وجهه لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره ففي هذا الخبر إبطال لقولهم لأن فيه أن البصر منه ذو نهاية وكل ذي نهاية محدود محدث وهم لا يقولون هذا لكن معناه أن البصر قد يستعمل في اللغة بمعنى الحفظ قال النابغة
رأيتك ترعاني بعين بصيرة * وتبعث حراسا علي وناظرا
فمعنى هذا الخبر لو كشف تعالى الستر الذي جعل دون سطوته لأحرقت عظمته ما انتهى إليه حفظه ورعايته من خلقه وكذلك قول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات إنما هو بمعنى أن علمه وسع كل ذلك يعلم السر وأخفى ثم نزيد بيانا بعون الله تعالى فنقول أن قولكم لا يعقل سميع إلا بسمع ولا بصير إلا ببصر فإن كل هذا صحيحا يوجب أن يقال أن لله سمعا وبصرا فإنه لا يعقل من له مكر إلا وهو ماكر ولا من كان من الماكرين إلا وهو ماكر ولا يعقل أحد ممن يستهزئ إلا وهو مستهزئ ولا يعقل أحد ممن يكيد إلا وهو كياد ولا يعقل من له كيد ومكر إلا وهو كياد ومكار ولا يكون خادع إلا يسمى الخادع الخداع وذو خدائع ولا يعقل من نسي إلا وهو ناس وذو نسيان هذا هو الذي لا سبيل إلى أن يوجد في العالم خلافه وقد قال تعالى « وأكيد كيدا » وقال تعالى « الله يستهزئ بهم » وقال تعالى « وهو خادعهم » وقال تعالى « أفأمنوا مكر الله » وقال تعالى « ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين » وقال تعالى « قبلهم فلله المكر جميعا » وقال تعالى « نسوا الله فنسيهم » وقال تعالى « سخر الله منهم » فيلزمهم إذا
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 145
مساهمون: ابن حزم
ص١٤٥