تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
سمعوا ربهم تعالى ووصفوا من طريق استدلالهم قياسهم وما شاهدوه في الحاضر عندهم أن يسموه ماكرا فيقولوا يا ماكر ارحمنا ويسموا بينهم عبد الماكر وكذلك القول في الكياد والمستهزئ والخداع والناسي والساخر وإلا فقد تناقضوا وتلاعبوا بصفات ربهم تعالى وبدينهم فإن قالوا أن هذه الصفات ذم وعيب وإنما نصفه تعالى بصفات المدح لزمهم مصيبتان عظيمتان أحدهما إطلاقهم أن الله عز وجل أخبر عن نفسه في هذه الآيات بصفات الذم والعيب وهذا كفر والثانية أن يصفوا ربهم بكل صفة مدح وحمد فيما بينهم وإن لم يأت بها نص وإلا فقد تناقضوا وقصروا فيصفوه بأنه عاقل وأنه شجاع جلد سخي حسن الأخلاق نزيه النفس تام المروءة كامل الفضائل ذو هيئة نبيل نعم المرء ويقولوا أنه تياه قياسا على أنه تعالى جبار متكبر ويقولوا أنه مستكبر فهو والمتكبر في اللغة سواء وذو تيه وعجب وذي هو ولا فرق بين هذا وبين المكر والكبرياء فيما بيننا فإن فعلوا هذا خرجوا عن الإسلام بالإجماع إلا أن يعذروا بشدة الجهل وظلمته وعماه وأن يفروا عن ذلك تركوا ما قد دانوا به من تسمية الله تعالى ووصفه بأن له سمعا وبصرا وسائر ما وصفوه تعالى به بآرائهم الفاسدة مما لم يأت به نص كقولهم قديم ومتكلم ومريد وأن له إرادة لم تزل وسائر ما اجترؤا عليه بغير برهان من الله عز وجل وأيضا فإن هذه الصفات التي منعوا منها لأنها بزعمهم صفات ذم فإن السمع والبصر والحياة أيضا صفات نقص لأنها أعراض دالة على الحدوث فيمن هي فيه فإن قالوا ليست لله تعالى كذلك قيل لهم ولا تلك الصفات أيضا إذا اطلقتموها عليه أيضا صفات ذم ولا فرق ولقد قال لي بعضهم إنما قلنا أن الله تعالى يكيد ويستهزئ ويمكر وينسى وهو خادعهم على معنى أنه تعالى يقارضهم على هذه الأفعال منهم بجزاء يسمى بأسمائها فقلت لهم نعم هكذا نقول ولم ننازعك في هذا فتستريح إليه بل قلنا لكم سموه تعالى مستهزئا وكيادا وخداعا وما كرا وناسيا وساخرا على معنى أنه مقارض لهم على هذه الأفعال منهم بجزاء يسمى بأسمائها