بيان :
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ
إلى آخر الآية ؛ الفرض - على ما ذكره - بمعنى الإيجاب فمعنى
« فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ »
أي أوجب عليك العمل به أي بما فيه من الأحكام ففيه مجاز في النسبة .
وأحسن منه قول بعضهم : إن المعنى أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل به وذلك لكونه أوفق لقوله :
« لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ »
بما سيجيء من معناه .
وقوله :
لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ
المعاد اسم مكان أو زمان من العود وقد اختلفت كلماتهم في تفسير هذا المعاد فقيل : هو مكة فالآية وعد له أن اللّه سيرده بعد هجرته إلى مكة ثانيا ، وقيل : هو الموت ، وقيل : هو القيامة ، وقيل : هو المحشر ، وقيل : هو المقام المحمود وهو موقف الشفاعة الكبرى ، وقيل : هو الجنة ، وقيل : هو بيت المقدس ، وهو في الحقيقة وعد بمعراج ثان يعود فيه إلى بيت المقدس بعد ما كان دخله في المعراج الأول : وقيل : هو الأمر المحبوب فيقبل الانطباق على جل الأقوال السابقة أو كلها .
والذي يعطيه التدبر في سياق آيات السورة هو أن تكون الآية تصريحا بما كانت القصة المسرودة في أول السورة تلوح اليه ثم الآيات التالية لما تؤيده .
فمعنى الآية ؛ أن الذي فرض عليك القرآن لتقرأه على الناس وتبلغه وتعملوا به سيردك ويصيرك إلى محل تكون هذه الصيرورة منك اليه عودا ويكون هو معادا لك كما فرض التوراة على موسى ورفع به قدره وقدر قومه ، ومن المعلوم أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان بمكة على ما فيها من الشدة والفتنة ثم هاجر منها ثم عاد إليها فاتحا مظفرا وثبتت قواعد دينه واستحكمت أركان ملته وكسرت الأصنام وانهدم بنيان الشرك والمؤمنون هم الوارثون للأرض بعد ما كانوا أذلاء معذبين .