تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 716

مساهمون:

ص٧١٦
وعلو مكانتها وهو الشاهد على أن المراد بها الدار الآخرة السعيدة ولذا فسروها بالجنة . وقوله :
نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
أي نخصها بهم وإرادة العلو هو الاستعلاء والاستكبار على عباد اللّه وإرادة الفساد فيها ابتغاء معاصي اللّه تعالى فإن اللّه بنى شرائعه التي هي تكاليف للإنسان على مقتضيان فطرته وخلفته ولا تقتضي فطرته إلّا ما يوافق النظام الأحسن الجاري في الحياة الإنسانية الأرضية فكل معصية تقضي إلى فساد في الأرض بلا واسطة أو بواسطة ، قال تعالى :
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
( الروم / 41 ) . ومن هنا ظهر أن إرادة العلو من مصاديق إرادة الفساد وإنما أفردت وخصّت بالذكر اعتناء بأمرها ، ومحصّل المعنى : تلك الدار الآخرة السعيدة نخصها بالذين لا يريدون فسادا في الأرض بالعلو على عباد اللّه ولا بأي معصية أخرى . والآية عامة يخصصها قوله تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً
( النساء / 31 ) . وقوله :
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
أي العاقبة المحمودة الجميلة وهي الدار الآخرة السعيدة أو العاقبة السعيدة في الدنيا والآخرة لكن سياق الآيتين يؤيد الأول . قوله تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها
أي لأنها تتضاعف له بفضل من اللّه ، قال تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
( الأنعام / 160 ) . قوله تعالى :
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي لا يزيدون على ما عملوا شيئا وفيه كمال العدل ، كما أن في جزاء الحسنة بخير منها كمال الفضل . وكان مقتضى الظاهر في قوله :
« فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا »
الخ ؛ الإضمار ولعل في وضع الموصول موضع الضمير إشارة إلى أن هذا الجزاء إنما هو لمن أكثر من اقتراف المعصية