ويمكن حمل قوله :
« يَخْلُقُ ما يَشاءُ »
على الاختيار التكويني وقوله :
« وَيَخْتارُ »
على الأعم من الحقيقة والاعتبار لكن الوجه السابق أوجه ، ومن الدليل عليه كون المنفي في قوله الآتي :
ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
هو الاختيار التشريعي الاعتباري ، والاختيار المثبت في قوله :
« وَيَخْتارُ »
يقابله فالمراد إثبات الاختيار التشريعي الاعتباري .
وهذا هو المراد بقوله :
« ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ »
أي لا اختيار لهم إذا اختار اللّه سبحانه لهم شيئا من فعل أو ترك حتى يختاروا لأنفسهم ما يشاءون وإن خالف ما اختاره اللّه والآية قريبة المعنى من قوله تعالى :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
( الأحزاب / 36 ) ، وللقوم في تفسير الآية أقاويل مختلفة غير مجدية أغمضنا عنها من أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى المطوّلات .
وقوله :
سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
أي عن شركهم باختيارهم أصناما آلهة يعبدونها من دون اللّه .
وهاهنا معنى آخر أدق أي تنزه وتعالى عن شركهم بادعاء أن لهم خيرة بالنسبة إلى ما يختاره تعالى بقبوله أو رده فإن الخيرة فهذا المعنى لا تتم إلّا بدعوى الاستقلال في الوجود والاستغناء عنه تعالى ولا تتم إلّا مع الاشتراك معه تعالى في صفة الألوهية .
وفي قوله :
« وَرَبُّكَ يَخْلُقُ »
التفات من التكلم بالغير إلى الغيبة والنكتة فيه تأييد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وتقويته وتطييب نفسه بإضافة صفة الرب اليه فإن معناه إن ما أرسله به من الحكم ماض غير مردود فلا خيرة لهم في قبوله ورده ، ولأنهم لا يقبلون ربوبيته .
وفي قوله :
سُبْحانَ اللَّهِ
وضع الظاهر موضع المضمر والنكتة فيه إرجاع الأمر إلى الذات المتعالية التي هي المبدأ للتنزه والتعالي عن كل ما لا يليق بساحة قدسه فإنه تعالى يتصف بكل كمال ويتنزه عن كل نقص لأنه هو اللّه عز اسمه .
قوله تعالى :
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ
الإكنان الإخفاء