لا يعين مجرما على إجرامه شكرا للّه تعالى على ما أنعم عليه ، والمراد بالنعمة وقد أطلقت إطلاقا الولاية الإلهية على ما يشهد به قوله تعالى :
فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ
( النساء / 69 ) .
وهؤلاء أهل الصراط المستقيم مأمونون من الضلال والغضب لقوله تعالى :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
( الفاتحة / 7 ) ، وترتب الامتناع عن إعانة المجرمين على الإنعام بهذا المعنى ظاهر لا سترة عليه .
ومن هنا يظهر أن المراد بالمجرمين أمثال فرعون وقومه دون أمثال الإسرائيلي الذي أعانه فلم يكن في إعانته جرم ولا كان وكز القبطي جرما حتى يتوب عليه السّلام منه كيف ؟ وهو عليه السّلام من أهل الصراط المستقيم الذين لا يضلون بمعصيته ، وقد نص تعالى على كونه من المخلصين الذين لا سبيل للشيطان إليهم بالإغواء حيث قال :
إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا
( مريم / 51 ) .
وقد نص تعالى أيضا آنفا بأنه آتاه حكما وعلما وأنه من المحسنين ومن المتقين من أمره أن لا تستخفه عصبية قومية أو غضب من غير ما ينبغي أو إعانة ونصرة لمجرم في إجرامه .
وقد كرر
« قالَ »
ثلاثا حيث قيل :
قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ
وذلك لاختلاف السياق في الجمل الثلاث فالجملة الأولى قضاء منه وحكم ، والجملة الثانية استغفار ودعاء ، والجملة الثالثة عهد والتزام .
قوله تعالى :
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
تقييد « أصبح » بقوله :
« فِي الْمَدِينَةِ »
دليل على أنه بقي في المدينة ولم يرجع إلى قصر فرعون ، والاستصراخ الاستغاثة برفع الصوت من الصراخ بمعنى الصياح ، والغواية إخطاء الصواب خلاف الرشد .