ومن المعلوم أن صلاح الذات أرفع قدرا من صلاح العمل ففي قوله :
« وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ »
تدرّج في المسألة من الأدنى إلى الأعلى وقد كان صلاح العمل منسوبا إلى صنعه واختياره بوجه دون صلاح الذات ولذا سأل صلاح الذات من ربه ولم يسأل نفس صلاح العمل بل أن يوزعه أن يعمل .
وفي تبديله سؤال صلاح الذات من سؤال أن يدخله في عباده الصالحين إيذان بسؤاله ما خصهم اللّه به من المواهب وأغزرها العبودية وقد وصفه اللّه بها في قوله :
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
( ص / 30 ) .
قوله تعالى :
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ
قال الراغب : التفقد التعهد لكن حقيقة التفقد تعرف فقدان الشيء والتعهد تعرف العهد المتقدم قال تعالى :
« وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ »
. انتهى .
استفهم أولا متعجبا من حال نفسه إذ لا يرى الهدهد بين الطير كأنه لم يكن من المظنون في حقه أن يغيب عن موكبه ويستنكف عن امتثال أمره ثم أضرب عن ذلك بالاستفهام عن غيبته .
والمعنى : ما بالي لا أرى الهدهد بين الطيور الملازمة لموكبي بل أكان من الغائبين .
قوله تعالى :
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
اللامات للقسم والسلطان المبين البرهان الواضح ، يقضي عليه السّلام على الهدهد أحد ثلاث خصال :
العذاب الشديد والذبح وفيهما شقاؤه ، والإتيان بحجة واضحة وفيه خلاصه ونجاته .
قوله تعالى :
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
ضمير
« فَمَكَثَ »
لسليمان ويحتمل أن يكون للهدهد ويؤيد الأول سابق السياق والثاني لاحقه ، والمراد بالإحاطة العلم الكامل ، وقوله :
« وَجِئْتُكَ »
الخ ؛ بمنزلة عطف التفسير لقوله :
« أَحَطْتُ »
الخ ؛ وسبأ بلدة باليمن كانت عاصمته يومئذ والنبأ الخبر الذي له