تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
ألسنتهم بمكة قبل الهجرة يدفعون به الدعوة الحقة ، وهذا مما يؤيد نزول هذه الآيات بمكة خلافا لما قيل إنها نزلت بالمدينة . على أن الآيات مشتملة على ختام السورة أعني قوله :
« وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ »
ولا معنى لبقاء سورة هي من أقدم السور المكية سنين على نعت النقص ثم تمامها بالمدينة ، ولا دلالة في الاستثناء على أن المستثنين هم شعراء المؤمنين بعد الهجرة . وكيف كان فالغيّ خلاف الرشد الذي هو إصابة الواقع فالرشيد هو الذي لا يهتم إلا بما هو حق واقع ، والغويّ هو السالك سبيل الباطل والمخطئ طريق الحق ، والغواية مما يختص به صناعة الشعر المبنية على التخييل وتصوير غير الواقع في صورة الواقع ولذلك لا يهتم به إلا الغويّ المشعوف بالتزيينات الخيالية والتصويرات الوهمية الملهية عن الحق الصارفة عن الرشد ، ولا يتبع الشعراء الذين يبتني صناعتهم على الغيّ والغواية إلا الغاوون وذلك قوله تعالى :
« وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ »
. وقوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
يقال : هام يهيم هيمانا إذا ذهب على وجهه والمراد بهيمانهم في كل واد استرسالهم في القول من غير أن يقفوا على حد فربما مدحوا الباطل المذموم كما يمدح الحق المحمود وربما هجوا الجميل كما يهجى القبيح الدميم وربما دعوا إلى الباطل وصرفوا عن الحق وفي ذلك انحراف عن سبيل الفطرة الانسانية المبنية على الرشد الداعية إلى الحق ، وكذا قولهم ما لا يفعلون من العدول عن صراط الفطرة . وملخص حجة الآيات الثلاث أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ليس بشاعر لأن الشعراء يتبعهم الغاوون لابتناء صناعتهم على الغواية وخلاف الرشد لكن الذين يتبعونه إنما يتبعونه ابتغاء للرشد وإصابة الواقع وطلبا للحق لابتناء ما عنده من الكلام المشتمل على الدعوة على الحق والرشد دون الباطل والغيّ .
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 600 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي