اللطف والحنان الإلهي أخذته جاذبة الرحمة الملتئمة بالفقر العبودي فدعته إلى إظهار الحاجة وبثّ المسألة فالتفت من الغيبة إلى الخطاب فسأل ما سأل .
فقوله :
رَبِّ
أضاف الرب إلى نفسه بعد ما كان يصفه بما أنه رب العالمين إثارة للرحمة الإلهية وتهييجا للعناية الربانية لاستجابة دعائه ومسألته .
وقوله :
هَبْ لِي حُكْماً
يريد بالحكم ما تقدم في قول موسى عليه السّلام
فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً
الآية 21 من السورة وهو - كما تقدم - إصابة النظر والرأي في المعارف الاعتقادية والعملية الكلية وتطبيق العمل عليها كما يشير اليه قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
( الأنبياء / 25 ) ، وهو وحي المعارف الاعتقادية والعملية التي يجمعها التوحيد والتقوى ، وقوله تعالى :
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ
( الأنبياء / 73 ) ، وهو وحي التسديد والهداية إلى الصلاح في مقام العمل ، وتنكير الحكم لتفخيم أمره .
وقوله :
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
الصلاح - على ما ذكره الراغب - يقابل الفساد الذي هو تغير الشيء عن مقتضى طبعه الأصلي فصلاحه كونه على مقتضى الطبع الأصلي فيترتب عليه من الخير والنفع ما من شأنه أن يترتب عليه من غير أن يفسد فيحرم من آثاره الحسنة .
وإذ كان
« بِالصَّالِحِينَ »
غير مقيد بالعمل ونحوه فالمراد به الصالحون ذاتا لا عملا فحسب وإن كان صلاح الذات لا ينفك عنه صلاح العمل ، قال تعالى :
الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
( الأعراف / 58 ) .
فصلاح الذات كونها تامة الاستعداد لقبول الرحمة الإلهية وإفاضة كل خير وسعادة من شأنها أن تتلبس به من يغر أن يقارنها ما يفسدها من اعتقاد باطل أو عمل سيئ وبذلك يتبين أن الصلاح الذاتي من لوازم موهبة الحكم بالمعنى الذي تقدم وإن كان الحكم أخص