دنيوية كانت أو أخروية والتعبير بلفظ المضارع لإفادة الاستمرار فالمعنى أنه الذي خلقني ولا يزال يهديني إلى ما فيه سعادة حياتي منذ خلقني ولن يزال كذلك . فيكون الآية في معنى ما حكاه اللّه عن موسى إذ قال لفرعون :
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
( طه / 50 ) ، أي هداه إلى منافعه وهي الهداية العامة .
وهذا هو الذي أشير اليه في أول السورة بقوله :
« أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً »
وقد مر تقرير الحجة فيه .
وعلى هذا فما سيأتي في قوله :
« وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي »
الخ ؛ من الصفات المعدودة من قبيل ذكر الخاص بعد العام فإنها جميعا من مصاديق الهداية العامة بعضها هداية إلى منافع دنيوية وبعضها هداية إلى ما يرجع إلى الآخرة .
ولو كان المراد بالهداية الهداية الخاصة الدينية فالصفات المعدودة على رسلها وذكر الهداية بعد الخلقة ، وتقديمها على سائر النعم والمواهب لكونها أفضل النعم بعد الوجود .
وقوله :
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
هو كالكناية عن جملة النعم المادية التي يرزقه اللّه إياها لتتميم النواقص ورفع الحوائج الدنيوية ، وقد خصّ بالذكر منها ما هو أهمها وهو الإطعام والسقي والشفاء إذا مرض .
ومن هنا يظهر أن قوله :
« وَإِذا مَرِضْتُ »
توطئة وتمهيد لذكر الشفاء ، فالكلام في معنى يطعمني ويسقيني ويشفين ، ولذا نسب المرض إلى نفسه لئلا يختل المراد بذكر ما هو سلب النعمة بين النعم ، وأما قول القائل : إنه إنما نسب المرض إلى نفسه مع كونه من اللّه للتأدب فليس بذاك .
وإنما أعاد الموصول فقال :
« الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي »
الخ ؛ ولم يعطف الصفات على ما في قوله :
« الذي خلقتني فهو يهدين » للدلالة على أن كلا من الصفات المذكورة في هذه الجملة المترتبة كان في إثبات كونه تعالى هو الرب المدبّر لأمره والقائم على نفسه المجيب لدعوته .