وقوله :
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
يريد الموت المقضي لكل نفس المدلول عليه بقوله :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
( الأنبياء / 35 ) ، وليس بانعدام وفناء بل انتقال من دار إلى دار من جملة التدبير العام الجاري ، والمراد بالإحياء إفاضة الحياة بعد الموت .
وقوله :
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
أي يوم الجزاء وهو يوم القيامة ، ولم يقطع بالمغفرة كما قطع في الأمور المذكورة قبلها لأن المغفرة ليست بالاستحقاق بل هي فضل من اللّه فليس يستحق أحد على اللّه سبحانه شيئا لكنه سبحانه قضى على نفسه الهداية والرزق والإماتة والإحياء لكل ذي نفس ولم يقض المغفرة لكل ذي خطيئة فقال :
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ
( الذاريات / 23 ) ، وقال :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
( الأنبياء / 35 ) ، وقال :
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا
( يونس / 4 ) ، وقال في المغفرة :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
( النساء / 48 ) .
ونسبة الخطيئة إلى نفسه وهو عليه السّلام نبي معصوم من المعصية دليل على أن المراد بالخطيئة غير المعصية بمعنى مخالفة الأمر المولوي فإن للخطيئة والذنب مراتب تتقدر حسب حال البعد في عبوديته كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقرّبين ، وقد قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلم :
« وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ » *
.
فالخطيئة من مثل إبراهيم عليه السّلام اشتغاله عن ذكر اللّه محضا بما تقتضيه ضروريات الحياة كالنوم والأكل والشرب ونحوها وإن كانت بنظر آخر طاعة منه عليه السّلام كيف ؟ وقد نص تعالى على كونه عليه السّلام مخلصا للّه لا يشاركه تعالى فيه شيء إذ قال : « إنا أخلصناهم بالخالصة ذكرى الدار » ( ص / 46 ) ، وقد قدمنا كلاما له تعلق بهذا المقام في آخر الجزء السادس وفي قصص إبراهيم في الجزء السابع من الكتاب .
قوله تعالى :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
لما ذكر عليه السّلام نعم ربه المستمرة المتوالية المتراكمة عليه منذ خلق إلى ما لا نهاية له من أمد البقاء وصوّر بذلك شمول