تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
إحداهما : أن العبادة تمثيل لذلة العابد وحاجته إلى المعبود فلا يخلو من دعاء من العابد للمعبود ، والدعاء يتوقف على علم المعبود بذلك وسمعه ما يدعوه به ، والأصنام أجسام جمادية لا سمع لها فلا معنى لعبادتها . والثانية : أن الناس إنما يعبدون الإله إما طمعا في خيره ونفعه وإما اتّقاء من شرّه وضرّه والأصنام جمادات لا قدرة لها على إيصال نفع أو دفع ضرر . فكل من الآيتين يتضمن جهة من جهتي الاعتراض ، وقد أوردهما في صورة الاستفهام ليضطرهم على الاعتراف . قوله تعالى :
قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ
كان مقتضى المقام أن يجيبوا عن سؤاله عليه السّلام بالنفي لكنه لما كان ينتج خلاف ما هم عليه من الانتحال بالوثنية أضربوا عنه إلى التشبث بذيل التقليد فذكروا أنهم لا مستند لهم في عبادتها إلا تقليد الآباء محضا . وقوله :
وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ
أي فعلنا كما كانوا يفعلون وعبدناهم كما كانوا يعبدون ، ولم يعدل عن قوله :
« كَذلِكَ يَفْعَلُونَ »
إلى مثل قولنا : يعبدونها ليكون أصرح في التقليد كأنهم لا يفهمون من هذه العبادات إلا أنها أفعال كأفعال آبائهم من غير أن يفقهوا منها شيئا أزيد من أشكالها وصورها . قوله تعالى :
قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
لما انتهت محاجته مع أبيه وقومه إلى أن لا حجة لهم في عبادتهم الأصنام إلا تقليد آباءهم محضا تبرأ عليه السّلام من آلهتهم ومن أنفسهم وآبائهم بقوله :
« أَ فَرَأَيْتُمْ »
الخ . فقوله :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ
تفريع على ما ظهر مما تقدم من عدم الدليل على عبادة الأصنام إلا التقليد بل بطلانها من أصلها أي فإذا كانت
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 560 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي