قوله تعالى :
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ
مخاصمته ومناظرته عليه السّلام مع أبيه غير مخاصمته مع قومه واحتجاجه عليهم كما حكاه اللّه تعالى في سورة الأنعام وغيرها لكن البناء هاهنا على الإيجاز والاختصار ولذا جمع بين المحاجتين وسبكهما محاجة واحدة أورد فيها ما هو القدر المشترك بينهما .
وقوله :
ما تَعْبُدُونَ
سؤال عن الحقيقة بوضع نفسه موضع من لا يعرف شيئا من حقيقتها وسائر شؤونها وهذا من طرق المناظرة سبيل من يريد أن يبين الخصم حقيقة مدّعاه وسائر شؤونه حتى يأخذه بما سمع من اعترافه .
على أن هذه المحاجة كانت من إبراهيم أول ما خرج من كهفه ودخل في مجتمع أبيه وقومه ولم يكن شهد شيئا من ذلك قبل اليوم فحاجّهم عن فطرة ساذجة طاهرة كما تقدم تفصيل القول في تفسير سورة الأنعام .
قوله تعالى :
قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ
ظلّ بمعنى دام ، والعكوف على الشيء ملازمته والإقامة عنده ، واللام في
« لَها »
للتعليل أي ندوم عاكفين عليها لأجلها وهو تفريع على عبادة الأصنام .
وبالجملة فجوابهم عن سؤال إبراهيم
« ما تَعْبُدُونَ »
بقولهم :
« نَعْبُدُ أَصْناماً »
إبانة أن هذه الأجسام المعبودة ممثلات مقصودة لغيرها لا لنفسها ، وقد أخذ إبراهيم قولهم :
« نَعْبُدُ »
وخاصمهم به فإن استقلال الأصنام بالمعبودية لا يجامع كونها أصناما ممثلة للغير فإذ كانت مقصودة بالعبادة فمن الواجب أن يشتمل على ما هو الغرض المقصود منها من جلب نفع أو دفع ضر بالتوجه العبادي والدعاء والمسألة والأصنام بمعزل من أن تعلم بمسألة أو تجيب مضطرا بإيصال نفع أو صرف ضر ولذلك سألهم إبراهيم بقوله :
« هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ »
الخ .
قوله تعالى :
قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ
اعترض عليه السّلام عليهم في عبادتهم الأصنام من جهتين :