بإتيانه على استفهام موسى المشعر بأنه يدعي أن عنده شيئا مبينا ولذا قيّد الأمر بالإتيان بقوله :
« إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ »
أي إن كنت صادقا في أن عندك شيئا كذلك .
قوله تعالى :
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ
هاتان الآيتان اللتان أوتيهما موسى ليلة الطور ، والثعبان : الحية العظيمة وكونه مبينا ظهور واقعيته بحيث لا يرتاب فيه ، والمراد بنزع يده نزعه من جيبه بعد وضعها فيه كما في سورتي : النمل الآية 12 والقصص الآية 32 .
قوله تعالى :
قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ
القائل فرعون وقد قال لموسى :
« فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ »
رجاء أن يأتي بأمر فيه موضع معارضة ومناقشة فلما أتى بما لا مغمض فيه لم يجد بدا دون أن يبهته بأنه ساحر عليم .
ولذا أتبع رميه بالسحر بقوله :
« يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ »
إغراء لهم عليه وحثا لهم على أن يتفقوا معه على دفعه بأي وسيلة ممكنة .
وقوله :
فَما ذا تَأْمُرُونَ
لعل المراد بالأمر الإشارة عليه لما أن المشير يشير على من يستشيره بلفظ الأمر فالمعنى إذا كان الشأن هذا فما ذا تشيرون عليّ أن أعامله به حتى أعمل به وذلك أنه كان يرى نفسه ربهم الأعلى ويراهم عبيده ولا يناسب ذلك حمل الأمر على معناه المتعارف .
قوله تعالى :
قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ
القائلون هم الملأ حوله وهم أشراف قومه ، وقوله : « أرجه » بسكون الهاء على القراءة الدائرة وهو أمر من الإرجاء بمعنى التأخير أي أخر موسى وأخاه وأمهلهما ولا تعجل اليهما بسياسة أو سجن ونحوه حتى تعارض سحرهما بسحر مثله .
وقرئ « أرجه » بكسر الهاء و « أرجئه » بالهمزة وضم الهاء وهما أفصح من القراءة