بالتصريح على أنه رب العالمين هو رب عالمي الإنسانية من الحاضرين والماضين وبذلك تنقطع حيلته .
وقوله :
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
قول فرعون ثانيا وقد سمى موسى رسولا تهكما واستهزاء وأضافه إلى من حوله ترفعا من أن يكون رسولا اليه ، وقد رماه بالجنون مستندا إلى قوله عليه السّلام :
« رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ »
الخ .
كأنه يقول : إنه لمجنون لما في كلامه من الاختلال الكاشف عن الاختلال في تعقله يدّعي رسالة رب العالمين فأسأله ما رب العالمين ؟ فيكرر اللفظ تقريبا أولا ثم يفسره بأنه ربكم ورب آبائكم الأولين .
وقوله :
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
ظاهر السياق أن المراد بالمشرق جهة شروق الشمس وسائر الأجرام النيّرة السماوية وطلوعها وبالمغرب الجهة التي تغرب فيها بحسب الحس ، وبما بينهما ما بين الجهتين فيشمل العالم المشهود ويساوي السماوات والأرض وما بينهما .
فيكون إعادة لمعنى الجواب الأول بتقرير آخر وهو مشتمل على ما اشتمل عليه من نكتة اتصال التدبير واتحاده فإن للشروق ارتباطا بالغروب والمشرق والمغرب يتحققان طرفين لوسط بينهما ، كما أن للسماء أرضا ولهما أمر بينهما وهذا النوع من الاتحاد لا يقبل إلا تدبيرا متصلا واحدا ، وكما أن كل أمة حاضرة لها ارتباط وجودي بالأمم الماضية ارتباط الأخلاف بالأسلاف فالنوع واحد والتدبير واحد فالمدبر واحد .
وقد بدّل قوله في الجواب الأول :
« إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ »
من قوله هاهنا :
« إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ »
تعريضا له حيث قال لمن حوله :
« أَ لا تَسْتَمِعُونَ »
استهزاء به وإهانة له ، ثم رماه ثانيا بالجنون واختلال الكلام فأشار عليه السّلام بقوله :
« إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ »
إلى أنهم هم المحرومون من نعمة التعقل والتفقه ولو كانوا يعقلون لفهموا أن جوابه الأول ليس بتكرار غير مفيد ولكفاهم حجة على