تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
أرض واحدة - إلا كمثل الماءين العذب الفرات والملح الأجاج مرجهما اللّه تعالى لكن جعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ، وكالماء خلق اللّه سبحانه منه بشرا ثم جعله نسبا وصهرا فاختلف بذلك المواليد وكان ربك قديرا . هذا ما يهدي اليه التدبر في مضامين الآيات وخصوصيات نظمها ، وبه يظهر وجه اتصالها بما تقدمها ، وأما ما ذكروه من أن لآيات مسوقة لبيان بعض أدلة التوحيد إثر بيان جهالة المعرضين عنها وضلالهم فالسياق لا يساعد عليه وسنزيد ذلك إيضاحا . فقوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
تنظير - كما تقدمت الإشارة اليه - لشمول الجهل والضلال للناس ورفعه تعالى ذلك بالرسالة والدعوة الحقة كما يشاء ولازم ذلك أن يكون المراد بمد الظل ما يعرض الظل الحادث بعد الزوال من التمدد شيئا فشيئا من المغرب إلى المشرق حسب اقتراب الشمس من الأفق حتى إذا غربت كانت فيه نهاية الامتداء وهو الليل ، وهو في جميع أحواله متحرك ولو شاء اللّه لجعله ساكنا . وقوله :
« ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا »
والدليل هي الشمس من حيث دلالتها بنورها على أن هناك ظلا وبانبساطه شيئا فشيئا على تمدّد الظل شيئا فشيئا ولولاها لم يتنبه لوجود الظل فإن السبب العام لتمييز الإنسان بعض المعاني من بعض تحوّل الأحوال المختلفة عليه من فقدان ووجدان فإذا فقد شيئا كان يجده تنبّه لوجوده وإذا وجد ما كان يفقده تنبّه لعدمه ، وأما الأمر الثابت الذي لا تتحول عليه الحال فليس إلى تصوّره بالتنبه سبيل . وقوله :
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
أي أزلنا الظل بإشراق الشمس وارتفاعها شيئا فشيئا حتى ينسخ بالكلية ، وفي التعبير عن الإزالة والنسخ بالقبض ، وكونه اليه ، وتوصيفه باليسير دلالة على كمال القدرة الإلهية وأنها لا يشق عليها فعل ، وأن فقدان الأشياء بعد وجودها ليس بالانعدام والبطلان بل بالرجوع اليه تعالى . وفي قوله :
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا
رجوع إلى السياق