تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
ميل النفس إلى الشهوة من غير تعديله بالعقل ، والمراد باتخاذ الهوى إلها طاعته واتباعه من دون اللّه وقد أكثر اللّه سبحانه في كلامه ذم اتباع الهوى وعدّ طاعة الشيء عبادة له في قوله :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي
( يس / 61 ) . وقوله :
أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا
استفهام إنكاري أي لست أنت وكيلا عليه قائما على نفسه وبأموره حتى تهديه إلى سبيل الرشد فليس في مقدرتك ذلك وقد أضله اللّه وقطع عنه أسباب الهداية وفي معناه قوله :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
( القصص / 56 ) ، وقوله :
وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ
( فاطر / 22 ) ، والآية كالإجمال للتفصيل الذي في قوله :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ
( الجاثية / 23 ) . ويظهر مما تقدم من المعنى أن قوله :
« اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ »
على نظمه الطبيعي أي إن
« اتَّخَذَ »
فعل متعدّ إلى مفعولين و
« إِلهَهُ »
مفعوله الأول و
« هَواهُ »
مفعول ثان له فهذا هو الذي يلائم السياق وذلك أن الكلام حول شرك المشركين وعدولهم عن عبادة اللّه إلى عبادة الأصنام ، وإعراضهم عن طاعة الحق التي هي طاعة اللّه إلى طاعة الهوى الذي يزين لهم الشرك ، وهؤلاء يسلّمون أن لهم إلها مطاعا وقد أصابوا في ذلك ، لكنهم يرون أن هذا المطاع هو الهوى فيتخذونه مطاعا بدلا من أن يتّخذوا الحق مطاعا فقد وضعوا الهوى موضع الحق لا أنهم وضعوا المطاع موضع غيره فافهم . قوله تعالى :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
أم منقطعة ، والحسبان بمعنى الظن وضمائر الجمع راجعة إلى الموصول في الآية السابقة باعتبار المعنى . والترديد بين السمع والعقل من جهة أن وسيلة الإنسان إلى سعادة الحياة أحد أمرين إما أن يستقلّ بالتعقل فيعقل الحق فيتبعه أو يرجع إلى قول من يعقله