تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
فانتساب الشقوة إلى أنفسهم وارتباطها بها إنما هي من جهة سوء اختيارهم وسيئات أعمالهم . وبالجملة هو اعتراف منهم بتمام الحجة ولحوق الشقوة على ما يشهد به وقوع الآية بعد قوله :
« أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ »
الخ . ثم عقّبوا قولهم :
« غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا »
بقولهم :
« وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ »
تأكيدا لاعترافهم ، وإنما اعترفوا بالذنب ليتوسلوا به إلى التخلص من العذاب والرجوع إلى الدنيا لكسب السعادة فقد شاهدوا في الدنيا أن اعتراف العاصي المتمرد بذنبه وظلمه توبة منه مطهّرة له تنجية من تبعة الذنب وهم يعلمون أن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل والتوبة والاعتراف بالذنب من الأعمال لكن ذلك من قبيل ظهور الملكات كما أنهم يكذبون يومئذ وينكرون أشياء مع ظهور الحق ومعاينته لاستقرار ملكة الكذب والإنكار في نفوسهم ، قال تعالى :
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ
( المجادلة / 18 ) . وقال :
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً
( المؤمن / 74 ) . قوله تعالى :
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ
سؤال منهم للرجوع إلى الدنيا على ما تدل عليه آيات أخر فهو من قبيل طلب المسبّب بطلب سببه ، ومرادهم أن يعملوا صالحا بعد ما تابوا بالاعتراف المذكور فيكونوا بذلك ممن تاب وعمل صالحا . قوله تعالى :
قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
قال الراغب : خسأت الكلب فخسأ أي زجرته مستهينا به فانزجر وذلك إذا قلت له : اخسأ انتهى . ففي الكلام استعارة بالكناية ، والمراد زجرهم بالتباعد وقطع الكلام . قوله تعالى :
إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
هؤلاء هم المؤمنون في الدنيا وكان إيمانهم توبة ورجوعا إلى اللّه كما سماه اللّه في كلامه توبة ، وكان سؤالهم شمول الرحمة - وهي الرحمة الخاصة
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 407 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي