« وراء » معنى الإحاطة ، قال تعالى :
وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً
( الكهف / 79 ) .
والمراد بهذا البرزخ عالم القبر وهو عالم المثال الذي يعيش فيه الإنسان بعد موته إلى قيام الساعة على ما يعطيه السياق وتدل عليه آيات أخر وتكاثرت فيه الروايات من طرق الشيعة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السّلام وكذا من طرق أهل السنة ، وقد تقدم البحث عنه في الجزء الأول من الكتاب .
قوله تعالى :
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
المراد به النفخة الثانية التي تحيا فيها الأموات دون النفخة الأولى التي تموت فيها الأحياء كما قاله بعضهم لكون ما يترتب عليها من انتفاء الأنساب والتساؤل وثقل الميزان وخفته إلى غير ذلك من آثار النفخة الثانية .
وقوله :
فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ
نفي لآثار الأنساب بنفي أصلها فإن الذي يستوجب حفظ الأنساب واعتبارها هي الحوائج الدنيوية التي تدعو الإنسان إلى الحياة الاجتماعية التي تبتني على تكون البيت ، والمجتمع المنزلي يستعقب التعارف والتعاطف وأقسام التعاون والتعاضد وسائر الأسباب التي تدوم بها العيشة الدنيوية ويوم القيامة ظرف جزاء الأعمال وسقوط الأسباب التي منها الأعمال فلا موطن فيه للأسباب الدنيوية التي منها الأنساب بلوازمها وخواصها وآثارها .
وقوله :
وَلا يَتَساءَلُونَ
ذكر لأظهر آثار الأنساب ، وهو التساؤل بين المنتسبين بسؤال بعضهم عن حال بعض ، للإعانة والاستعانة في الحوائج لجلب المنافع ودفع المضارّ .
ولا ينافي الآية ما وقع في مواضع أخر من قوله تعالى :
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
( الصافات / 27 ) ، فإن حكاية تساؤل أهل الجنة بعد دخولها وتساؤل أهل النار بعد دخولها وهذه الآية تنفي التساؤل في ظرف الحساب والقضاء .