تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
تقدم بيان مفردات الآية في الآية 5 من سورة الحج في الجزء السابق من الكتاب وفي قوله :
« فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً »
استعارة بالكناية لطيفة . قوله تعالى :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
الإنشاء - كما ذكره الراغب - إيجاد الشيء وتربيته كما أن النشء والنشأة إحداثه وتربيته كما يقال للشاب الحديث السن ناشئ . وقد غير السياق من الخلق إلى الإنشاء فقال :
« ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ »
دون أن يقال : ثم خلقناه ، الخ ؛ للدلالة على حدوث أمر حديث ما كان يتضمنه ولا يقارنه ما تقدمه من مادة فإن العلقة مثلا وإن خالفت النطفة في أوصافها وخواصها من لون وطعم وغير ذلك إلا أن في النطفة مكان كل من هذه الأوصاف والخواص ما يجانسه وإن لم يماثله كالبياض مكان الحمرة وهما جميعا لون بخلاف ما أنشأه اللّه أخيرا وهو الإنسان الذي له حياة وعلم وقدرة فإن ما له من جوهر الذات وهو الذي نحكي عنه بأنا لم يسبق من سنخه في المراحل السابقة أعني النطفة والعلقة والمضغة والعظام المكسوة لحما شيء ، ولا سبق فيها شيء يناظر ما له من الخواص والأوصاف كالحياة والقدرة والعلم فهو منشأ حادث مسبوق بالعدم . والضمير في
« أَنْشَأْناهُ »
- على ما يعطيه السياق - للإنسان المخلوق عظاما مكسوة باللحم فهو الذي أنشئ وأحدث خلقا آخر أي بدّل وهو مادة ميتة جاهلة عاجزة موجودا ذا حياة وعلم وقدرة ، فقد كان مادة لها صفاتها وخواصها ثم برز وهو يغاير سابقته في الذات والصفات والخواص ، فهو تلك المادة السابقة فإنها التي صارت إنسانا ، وليس بها إذ لا يشاركها في ذات ولا صفات ، وإنما له نوع اتحاد معها وتعلّق بها يستعملها في سبيل مقاصدها استعمال ذي الآلة للآلة كالكاتب للقلم . وهذا هو الذي يستفاد من مثل قوله :
وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
( ألم السجدة / 11 ) ، فالمتوفى والمأخوذ عند الموت هو الإنسان ، والمتلاشي الضال في الأرض هو البدن