الآية إلى الذهن بمعونة من سياق التفصيل أن يكون المراد أن أهل القرية التي أهلكناها لا يرجعون ثانيا إلى الدنيا ليحصلوا على ما فقدوه من نعمة الحياة ويتداركوا ما فوتوه من الصالحات وهو واقع محل أحد طرفي التفصيل الذي تضمن طرفه الآخر قوله :
« فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ »
الخ ؛ فيكون الطرف الآخر من طرفي التفصيل أن من لم يكن مؤمنا قد عمل من الصالحات فليس له عمل مكتوب وسعي مشكور وإنما هو خائب خاسر ضل سعيه في الدنيا ولا سبيل له إلى حياة ثانية في الدنيا يتدارك فيها ما فاته .
غير أنه تعالى وضع المجتمع موضع الفرد إذ قال :
« وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها »
ولم يقل :
وحرام على من أهلكناه لأن فساد الفرد يسري بالطبع إلى المجتمع وينتهي إلى طغيانهم فيحق عليهم كلمة العذاب فيهلكون كما قال :
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً
( الإسراء / 58 ) .
ويمكن - على بعد - أن يكون المراد بالإهلاك الإهلاك بالذنوب بمعنى بطلان استعداد السعادة والهدى كما في قوله :
وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
( الأنعام / 26 ) فتكون الآية في معنى قوله :
فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ
( النحل / 37 ) ، والمعنى وحرام على قوم أهلكناهم بذنوبهم وقضينا عليهم الضلال أن يرجعوا إلى التوبة وحال الاستقامة .
ومعنى الآية والقرية التي لم تعمل من الصالحات وهي مؤمنة وانجز أمرها إلى الإهلاك ممتنع عليهم أن يرجعوا فيتداركوا ما فاتهم من السعي المشكور والعمل المكتوب المقبول .
وأما قوله :
أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ
وكان الظاهر أن يقال : أنهم يرجعون فالحق أنه مجاز عقلي وضع فيه نتيجة تعلق الفعل بشيء - أعني ما يؤول اليه حال المتعلق بعد تعلقه به - موضع نفس المتعلق فنتيجة تعلق الحرمة برجوعهم عدم الرجوع فوضعت هذه النتيجة موضع نفس الرجوع الذي هو متعلق الحرمة وفي هذا الصنع إفادة نفوذ الفعل كأن الرجوع يصير بمجرد تعلق الحرمة عدم رجوع من غير تخلل فصل .