حتى يبلغ الدماغ ، يقال : دمغه يدمغه إذا أصاب دماغه ، وزهوق النفس تلفها وهلاكها ، يقال :
زهق الشيء يزهق أي هلك .
والحق والباطل مفهومان متقابلان ، فالحق هو الثابت العين ، والباطل ما ليس له عين ثابتة لكنه يتشبّه بالحق تشبّها فيظن أنه هو حتى إذا تعارضا بقي الحق وزهق الباطل كالماء الذي هو حقيقة من الحقائق ، والسراب الذي ليس بالماء حقيقة لكنه يتشبّه به في نظر الناظر فيحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا .
والمعنى : ما خلقنا العالم لعب أو لم نرد اتخاذ اللهو بل سنّتنا أن نرمي بالحق على الباطل رميا بعيدا فيهلكه فيفاجئه الذهاب والتلف ، فإن كان الباطل حجة أو عقيدة فحجة الحق تبطلها ، وإن كان عملا وسنّة كما في القرى المسرفة الظالمة فالعذاب المستأصل يستأصله ويبطله ، وإن كان غير ذلك فغير ذلك .
وقوله :
« وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ »
وعيد للناس المنكرين للمعاد والنبوة على ما تقدم من توضيح مقتضى السياق .
ويظهر من الآية حقيقة الرجوع إلى اللّه تعالى وهو أنه تعالى لا يزال يقذف بالحق على الباطل فيحق الحق ويخلّصه من الباطل الذي يشوبه أو يستره حتى لا يبقى إلا الحق المحض وهو اللّه الحق عزّ اسمه قال :
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
( النور / 25 ) ، فيسقط يومئذ ما كان يظن للأسباب من استقلال التأثير ويزعم لغيره من القوة والملك والأمر كما قال :
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
( الأنعام / 94 ) ، وقال :
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
( البقرة / 165 ) ، وقال :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
( المؤمن / 16 ) ، وقال :
وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
( الانفطار / 19 ) ، والآيات المشيرة إلى هذا المعنى كثيرة .
قوله تعالى :
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
دفع لأحد الاحتمالات المنافية للمعاد في الجملة وهو أن لا يتسلط سبحانه على بعض أو كل الناس فينحو من لا يملكه من