تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
اليه يصرفها عن الأعمال الواقعية فهو من مصاديق اللهو هذا . فلو كان خلق العالم المشهود لا لغاية يتوجه إليها ويقصد لأجلها وكان اللّه سبحانه لا يزال يوجد ويعدم ويحيي ويميت ويعمّر ويخرب لا لغاية تترتب على هذه الأفعال ولا لغرض يعمل لأجله ما يعمل بل إنما يفعلها لأجل نفسها ويريد أن يراها واحدا بعد واحد فيشتغل بها دفعا لضجر أو ملل أو كسل أو فرارا من الوحدة أو انطلاقا من الخلوة كحالنا نحن إذا اشتغلنا بعمل نلعب به ونتلهى لندفع به نقصا طرأ علينا وعارضة سوء لا نستطيبها لأنفسنا من ملال أو كلال أو كسل أو فشل ونحو ذلك . فاللعب بنظر آخر لهو ، ولذلك نراه سبحانه عبّر في الآية الأولى باللعب
« وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ »
ثم بدّله - في الآية الثانية التي هي في مقام التعليل لها - لهوا فوضع اللهو مكان اللعب لتتم الحجة . وتلهّيه تعالى بشيء من خلقه محال لأن اللهو لا يتمّ لهوا إلا برفع حاجة من حوائج اللاهي ودفع نقيصة من نقائصه نفسه فهو من الأسباب المؤثرة ، ولا معنى لتأثير خلقه تعالى فيه واحتياجه إلى ما هو محتاج من كل جهة اليه فلو فرض تلهّيه تعالى بلهو لم يجز أن يكون أمرا خارجا من نفسه ، وخلقه فعله ، وفعله خارج من نفسه ، بل وجب أن يكون بأمر غير خارج من ذاته . وبهذا يتم البرهان على أن اللّه ما خلق السماء والأرض وما بينهما لعبا ولهوا وما أبدعها عبثا ولغير غاية وغرض ، وهو قوله :
« لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا »
. وأما اللهو بأمر غير خارج عن ذاته فهو وإن كان محالا في نفسه لاستلزامه حاجة في ذاته إلى ما يشغله ويصرفه عما يجده في نفسه فيكون ذاته مركبة من حاجة حقيقية متقررة فيها وأمر رافع لتلك الحاجة ، ولا سبيل للنقص والحاجة إلى ذاته المتعالية لكن البرهان لا يتوقف عليه لأنه في مقام بيان أن لا لعب ولا لهو في فعله تعالى وهو خلقه ، وأما أنه لا لعب ولا لهو في
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 236 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي