تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعتصام — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
للحرج فليس فيه ما يدل على تشديد ولا زيادة تكليف والأمثلة مبينة لهذا الأصل أيضا إذا تقررت هذه الشروط علم أن البدع كالمضادة للمصالح المرسلة لان موضوع المصالح المرسلة ما عقل معناه على التفصيل والتعبدات من حقيقتها أن لا يعقل معناها على التفصيل وقد مر أن العادات إذا دخل فيها الابتداع فإنما يدخلها من جهة ما فيها من التعبد لا بإطلاق وأيضا فإن البدع في عامة أمرها لا تلائم مقاصد الشرع بل إنما تتصور على أحد وجهين إما مناقضة لمقصوده - كما تقدم في مسألة المفتى للملك بصيام شهرين متتابعين - وإما مسكوتا عنه فيه كحرمان القاتل ومعاملته بنقيض مقصوده على تقدير عدم النص به وقد تقدم نقل الإجماع على أطراح القسمين وعدم اعتبارهما ولا يقال إن المسكوت عنه يلحق بالمأذون فيه إذ يلزم من ذلك خرق الإجماع لعدم الملاءمة ولأن العبادات ليس حكمها حكم العادات في أن المسكوت عنه كالمأذون فيه - إن قيل بذلك فهي تفارقها إذ لا يقدم على استنباط عبادة لا أصل لها لأنها مخصوصة بحكم الإذن المصرح به بخلاف العادات والفرق بينهما ما تقدم من اهتداء العقول للعاديات في الجملة وعدم اهتدائها لوجوه التقربات إلى الله تعالى وقد أشير إلى هذا المعنى في كتاب الموافقات وإلى هذا فإذا ثبت أن المصالح المرسلة ترجع إما إلى حفظ ضروري من باب الوسائل أو إلى التخفيف فلا يمكن إحداث البدع من جهتها ولا الزيادة في المندوبات لأن البدع من باب الوسائل لأنها متعبد بها بالفرض ولأنها زيادة في التكليف وهو مضاد للتخفيف فحصل من هذا كله أن لا تعلق للمبتدع بباب المصالح المرسلة إلا القسم الملغى باتفاق العلماء وحسبك به متعلقا والله الموفق وبذلك كله يعلم من قصد الشارع أنه لم يكل شيئا من التعبدات إلى آراء العباد فلم يبق إلا الوقوف عندما حده والزيادة عليه بدعة كما أن النقصان منه بدعة وقد مر لهما أمثلة كثيرة وسيأتي أخيرا في أثناء الكتاب بحول الله .