ومن أجل ذلك قال حذيفة رضي الله عنه كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا بطريق من كان قبلكم ونحوه لابن مسعود أيضا وقد تقدم من ذلك كثير
ولذلك التزم مالك في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني وإن ظهرت لبادي الرأي وقوفا مع ما فهم من مقصود الشارع فيها من التسليم على ما هي عليه فلم يلتفت في إزالة الأخباث ورفع الأحداث إلى مطلق النظافة التي اعتبرها غيره حتى اشترط في رفع الأحداث النية ولم يقم غير الماء مقامه عنده - وإن حصلت النظافة - حتى يكون بالماء المطلق وامتنع من إقامة غير التكبير والتسليم والقراءة بالعربية مقامها في التحريم والتحليل والأجزاء ومنع من إخراج القيم في الزكاة واختصر في الكفارات على مراعاة العدد وما أشبه ذلك
ودورانه في ذلك كله على الوقوف مع ما حده الشارع دون ما يقتضيه معنى مناسب - إن تصور - لقلة ذلك في التعبدات وندوره بخلاف قسم العادات الذي هو جار على المعنى المناسب الظاهر للعقول فإنه استرسل فيه استرسال المدل
العريق في فيهم المعاني المصلحية نعم مراعاة مقصود الشارع أن لا يخرج عنه ولا ينقاض أصلا من أصوله حتى لقد استشنع العلماء كثيرا من وجوه استرساله زاعمين أنه خلق الربقة وفتح باب التشريع وهيهات ما أبعده من ذلك رحمه الله بل هو الذي رضى لنفسه في فقهه بالاتباع بحيث يخيل لبعض أنه مقلد لمن قبله بل هو صاحب البصيرة في دين الله - حسبما بين أصحابه في كتاب سيره
بل حكى عن أحمد بن حنبل أنه قال إذا رأيت الرجل يبغض مالكا فاعلم أنه مبتدع وهذه غاية في الشهادة بالاتباع
وقال أبو داود أخشى عليه البدعة يعنى المبغض لمالك
وقال بن مهدي إذ رأيت الحجازي يحب مالك بن أنس فاعلم أنه صاحب سنة وإذا رأيت أحدا بتناوله فاعلم أنه على خلاف السنة
وقال إبراهيم بن يحيى بن هشام ما سمعت أبا داود لعن أحدا فقط إلا رجلين أحدهما رجل ذكر له أنه لعن مالكا والآخر بشر المريسي
وعلى الجملة فغير مالك أيضا موافق له في أن أصل العبادات عدم معقولية المعنى
الإعتصام — صفحة 366
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٦٦