فتحصل من هذا أنّ عصراً من الأعصار لا يخلو من شهيد على الناس ، وذلك الشهيد لابدّ وأن يكون غير جائز الخطأ ; وإلاّ لافتقر إلى شهيد آخر ، ويمتدّ ذلك إلى غير نهاية ، وذلك باطل ، فثبت أنّه لابدّ في كلّ عصر من أقوام تقوم الحجّة بقولهم ، وذلك يقتضي أن يكون إجماع الأمّة حجّة . ( 1 )
أقول : ما تبيّن من دلالة الآية هو الحقّ من لزوم شاهد غير جائز الخطأ ، ولكن تطبيق ذلك على إجماع الأمّة واهي غايته ; فإنّ الأمّة منقسمة في أكثر أمرها ، فأين الشاهد في ما اختلفت فيه .
وحيث أنّ الشاهد لابدّ أن يكون عالماً بأعمال العباد ، كما يشير إليه قوله تعالى : ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) ( 2 ) ، فيرى أعمال العباد حين صدورها .
ومن الواضح أنّ علم كلّ ذلك كان لدى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، إذ ما كان ينزل عليه شيء إلاّ كان يعلمه ويعلّمه غيره ، لكن لا يحيط بكلّ تعليمه إلاّ الأذن الواعية ، كما قال تعالى : ( لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ( 3 ) ، وهي أذن عليّ ( عليه السلام ) كما جاء في أحاديث الفريقين . ( 4 )
وقد قال تعالى : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) ( 5 ) ، وقال تعالى :
هامش
( 1 ) الفخر الرازي 20 / 99 في ذيل الآية .
( 2 ) سورة التوبة 9 : 105 .
( 3 ) سورة الحاقّة 69 : 12 .
( 4 ) روى ذلك الطبري في تفسيره ، وأبو نعيم في حلية الأولياء ، والواحدي النيسابوري في أسباب النزول ، والثعلبي في تفسيره ، والرازي في تفسيره ، والمتّقي الهندي في كنز العمّال ، والقرطبي في تفسيره ، والسيوطي في الدرّ المنثور ، وابن كثير في تفسيره . لاحظ بقية المصادر : إحقاق الحقّ 3 / 147 و 14 / 220 - 241 و 20 / 92 - 97 .
( 5 ) سورة النحل 16 : 44 .