قوله تعالى : ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ) ( 1 ) ، ومضافاً إلى كون عيسى ( عليه السلام ) رسول الله فقد وُصِف أيضاً بأنّه كلمته وأنّه روح الله . والكلمة هي الشيء التكويني الدالّ على معنى بدلالة تكوينية لا فرض اعتباري أدبي ، وهذا المعنى هو الأصل في معنى ومصداق الكلمة حقيقة ، وأمّا الكلمة التي تتداول في الكلام المحاوري فهي اعتبارية يعتبرها ويفترضها المتكلّم والمخاطب فيما بينهم ، فعيسى هو كلمة الله وهو اسمه أيضاً ; لأنّ الاسم في اللغة يعني السمة والعلامة ، وهو نفس معنى كلمته وهو آية من آيات ربوبيته كما قال تعالى : ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأمَّهُ آيَةً ) ( 2 ) ، وقال تعالى : ( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ) ( 3 ) ، والآية في اللغة العلامة والسمة أيضاً ، وعليه تكون الآية والكلمة والاسم بمعنى واحد ، أو مشتركة في أصل معناها .
وكونه روح الله يعني بوجوده وولادته وحالاته الملكوتية خروجه من الغيب مقاماً ، فأضيفت إلى الذات الإلهية تشريفاً لمقامها .
وقد قام الدليل على أنّ الأئمّة كلمات الله كما في قوله تعالى : ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) ( 4 ) ، ولعلّ الإشارة في كلمات الصدق وتمامية الكلمات صدقاً هو للمرسلين ، وتمامية الكلمة عدلاً هو لجعل الله تعالى للأئمّة الهادين بأمره الذين يوحي إليهم فعل الخيرات وإقامة العدل ، ولا ريب أنّ من كلمات الله في عموم هذه الآية هو النبيّ عيسى ( عليه السلام ) ، فالمراد من الكلمات هم الحجج المصطفين .
وقد ورد من طريق الفريقين في قوله تعالى : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَات فَتَابَ
هامش
( 1 ) سورة النساء 4 : 171 .
( 2 ) سورة المؤمنون 23 : 50 .
( 3 ) سورة مريم 19 : 21 .
( 4 ) سورة الأنعام 6 : 115 .