عيسى ( عليه السلام ) ونحوه من الأولياء مستقلاًّ في فعله كما هو الحال في غير ذلك من الأفعال ، لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين . ويُستدلّ على ذلك بقوله تعالى : ( فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا ) ( 1 ) ، فالنفخ هنا خلق كما في نفخ الصور ، فالنفخ هنا ليس تشكيل ، إذ الخلق للطير متفرّع على نفخ عيسى ( عليه السلام ) .
ثمّ إحياء الموتى ليس هو كخلق الطير ، بل إحياء الموتى هو تزويج الروح بالبدن .
وقوله تعالى : ( وَأبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ) ، فالإبراء وإن كان إحياء وخلق لكن خلق حال وليس إعادة لحياة الذات ، وهذا ما يمكن تصوّره في أولياء الله المصطفين كالأئمّة ( عليهم السلام ) ; إذ إمكان إعطائهم هذه الحبوة كما أعطيت لعيسى ليس تفويضاً عزلياً باطلاً تعزل فيه قدرة الله تعالى وهيمنته وقاهريته وقيوميته ، كما هو الحال في أفعال الإنسان لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين ، ولا فرق في تمكين وإقدار الباري للمخلوق على الفعل بين فعل النملة وفعل عزرائيل وميكائيل وأعاظم الملائكة والأرواح ; فإنّه بقانون واحد لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين ، ومن لا يميز بين التفويض العزلي الباطل وبين التفويض بمعنى الإقدار والتمكين في حين قدرته تعالى من انحسار لقدرته فيما أقدرهم عليه ، يحصل لديه الخلط بينهما ، كما أشار إليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في نهج البلاغة .
قوله تعالى : ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ( 2 ) ، إنّ أصول الدين لا تُنسخ ، بل النسخ يكون في الفروع ، كما أنّ أركان الفروع غير منسوخة ، فأصول المحرّمات هي واحدة في كلّ الشرائع كحرمة الزنا
هامش
( 1 ) سورة آل عمران 3 : 49 .
( 2 ) سورة آل عمران 3 : 55 .