العلماء وهذه الطولية في جعل الحكم هي لمغايرة الربّانيين للأحبار .
والربّاني هو المنسوب إلى الربّ وهي صيغة مبالغة وهذه الصيغة تدلّ على شدّة القرب لله تعالى فهو لابدّ أن يكون معصوماً ، والربانية هي مرتبة إصطفائية وهم الأئمّة ( عليهم السلام ) وقرينة أخرى على المراد بهم الأوصياء بقوله تعالى : ( بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) ، فالذي يكون شهيداً على الكتاب كلّه لابدّ أن تكون إحاطته بالكتاب لدنية أي نظير تعبير بمن عنده علم الكتاب ، كما تدلّ هذه القرينة على أنّ الربّاني لا تخلو منه الأرض ، لأنّه الحافظ لإقامة كتاب الله في النظام البشري فقد استحفظ وكان على ذلك شهيداً ، فلا يستقلّ الأحبار في الحكم النيابي عن الربّاني وعن هيمنة وإشراف الوصي المعصوم في كلّ الأزمان .
قوله تعالى : ( إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ) ( 1 ) ، وجعل الملك في بني إسرائيل من قبل الله تعالى دليل على كونه جعلاً إلهياً وعهداً منه ، وأنّ سنخ جعل الملك كما هو في جعل النبوّة ، كما في قصّة طالوت حيث جعله الله ملكاً بغضّ النظر عن اختيار الناس له ، والملك هنا ملك تصرّف فهو لا يقتصر على الاعتبار التشريعي ، بل الملك هنا أعمّ كما في قوله تعالى في آل إبراهيم : ( وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) ( 2 ) ، فهو منصب إلهي غير منصب النبوّة ; إذ إنّ موسى ( عليه السلام ) جعل الملك نعمة وحبوة ، وهي غير مختصّة ببني إسرائيل فتعمّ كلّ الأمم ، والأمّة الإسلامية هي أولى في جعل الملك لديها وهي الإمامة ، ففي آيات عدّة عُرّف حدّ الإمامة بالملك وولاية التصرّف .
وقوله تعالى : ( وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) ( 3 )
هامش
( 1 ) سورة المائدة 5 : 20 .
( 2 ) سورة النساء 4 : 54 .
( 3 ) سورة المائدة 5 : 12 .