مريم وأمّ موسى ، ومن ثمّ فإنّ أهل سنّة الجماعة يذعنون للنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) بالعصمة في حكومته ولكن يتحاشون من التصريح بذلك ; خوفاً من لوازمها ، ويشهد لإذعانهم الخفي بذلك أنّهم يقرّون بلزوم التوفّر على الفضائل في من يخلف النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ولا بدّ أن يكون صاحب فضائل يفوق غيره .
وهذه الفضائل والمناقب التي يذعنون بلزومها فيمن يخلف النبيّ إذا أمعن النظر في معانيها وحقيقتها يتّضح أنّها هي حقيقة العصمة ، وأنّهم اضطرّوا إلى دعوى أنّ الخلفاء الثلاثة هم أفضل الخلق لأجل ذلك ، فهذا إقرار خفي منهم بأنّ المفضول لا يقدّم على الفاضل ، وبذلك أذعنوا إلى حقيقة مهمّة وهي أنّ من يتولّى منصب الإمامة والخلافة لابدّ من عصمته ، إلاّ أنّهم يحاولون الاجتناب عن التصريح بذلك .
إذن فهناك حبوات ملكوتية تُعطى للأنبياء ليس على سبيل الإعجاز فقط ، بل هي عناوين ومناصب إلهية أخرى غير النبوّة .
ومعنى ذلك أنّ هذه المقامات لدى الأنبياء لا بما هم أنبياء ، بل بما هم أولياء ، فهذه الجهات مجعولة من قبل الله تعالى بما هم حجج أولياء ; لغرض الهداية الإيصالية ، فالقرآن نبّه على هذه المقامات بما هم حكام أولياء لا بما هم رسل أنبياء .
النموذج الأول لهذه القائمة : آدم ( عليه السلام )
قوله تعالى : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ