وهو : كيف ارتبطت بالتكليم الإلهي ، وكيف وثقت أنّه من عند الله مع أنّها ليست نبيّاً ولا وصيّ نبيّ ، كما لم يتمّ ذلك بتوسّط نبي زمانها ، بل تمّ ذلك من دون وساطة رسول أصلاً ، وكيف صدّقت بنبوّة نبيّ آت وبشريعته المقبلة ، وكيف قامت ببدايات أعباء الرسالة قبل عيسى حتّى جعلها القرآن في درجة عيسى ، كما يظهر من قوله تعالى : ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأمَّهُ ) ، و ( يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأمِّيَ إِلَهَيْنِ ) ، و ( كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ ) ، و ( كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ . . ) ( 1 ) ، الدالّة جميعاً على أنّ مريم كانت في مصاف الرسالة ومن أصول الدين ، خاصّة مع الالتفات إلى أنّ المخاطب به مثل زكريا - على فرض حياته - ويحيى وأنبياء زمانها ؟ لا جواب على هذا السؤال سوى أنّها معصومة مصطفاة ، وأنّ لها مقاماً لا يقلّ عن مقام النبوّة .
ومع كلّ هذا ، لا عجب أن تكون فاطمة ( عليها السلام ) ( شافعة للأنبياء ) ، كما في الرواية المنقولة ، كيف لا وهي من أهل آية التطهير الذين شهد القرآن أنّهم يمسّون الكتاب المكنون كلّه ، ولديهم العلم بالكتاب المبين العلويّ كلّه ، بينما لم ينعت القرآن الأنبياء أولي العزم فضلاً عن غيرهم بأنّهم يعلمون الكتاب كلّه ، بل قال في حقّ موسى ( عليه السلام ) مثلاً : ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْء مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْء ) ( 2 ) ، فما اُوحي لموسى هو ( من كلّ شيء ) ، وفي حقّ عيسى ( عليه السلام ) : ( قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) ( 3 ) ، فكان ما جاء به بعض العلم ، بينما وصف القرآن أنّه مهيمن على ما بين يديه من الكتب التي بعث بها الأنبياء السابقين ، وأنّه تبياناً لكلّ شيء .
هامش
( 1 ) سورة النساء 4 : 171 .
( 2 ) سورة الأعراف 7 : 145 .
( 3 ) سورة الزخرف 43 : 63 .