وسدّ الذرائع ما هو إلاّ نوع من التطبيق لمبدأ التزاحم ، واختلافنا معهم في كيفية استكشاف الملاكات وفي طريقة التقديم ، فهم قد اكتفوا بالملاكات الظنّية والتقديم الظنّي أو جعلوا ذلك ضابطة للتشريع الثابت .
وسوف نلاحظ أنّ الأفعال التي قام بها الخضر هي من باب التزاحم والسعي إلى حفظ الملاكات الواقعية التي خفيت عن النبيّ موسى ، والتي لو كان قد علم بها لما اعترض عليه :
أوّلاً : خرق السفينة
وهاهنا سؤالان :
الأول : كيف ينسجم التعليل مع موازين الظاهر ؟
الثاني : مع الانسجام ما هو الواقع في السنن الإلهية الكونية الذي اختصّ به الخضر ؟
ففي هذا الفعل كان هناك ملاكاً مهمّاً سعى الخضر إلى المحافظة عليه ; وهو حفظ مال المساكين من سطوة الحاكم الظالم ، وهذا لم يكن موسى على علم به ، ثمّ في مقام التطبيق كان الأمر يدور بين عطب السفينة وبين تعييبها ; إذ في كلاهما يتحقّق الغرض ، ومن الواضح أنّ المحافظة على الكلّ أولى من المحافظة على البعض ، فالخضر عمل بقاعدة التزاحم وهذا من موازين الظاهر أيضاً ، لكنّه اختصّ بعلم وجود مصاديق التزاحم من اغتصاب الملك الظالم لكلّ سفينة .
ثمّ في كيفية التصرّف الذي قام به الخضر من دون إذن أصحابها ، فيمكن القول فيه : إنّ التصرّف العقدي يحتاج إلى إذن صريح ورضا بالإنشاء ، أمّا التصرّف المجرّد غير العقدي كالأكل والشرب - فلا يحتاج إلى ذلك بل يكتفي فيه بالعلم بطيب النفس وإن لم يكن المالك ملتفتاً ، ومن هنا تظهر النكتة في أنّ إذن الفحوى