بنحو التفصيل نجوماً ، أمّا على كون ( يُقضى ) بمعنى ( يصل ) فملائمته ظاهرة للمفاد المزبور ، وأمّا على كونها بمعنى يتمّ فقيل إنّه بمعنى قراءته للقرآن قبل أن ينتهي جبرئيل من الوحي بتحريك لسانه ، ولكنّه خلاف الظاهر ; حيث إنّه يستلزم الاستخدام في الضمير ، ويكون المعنى على هذا التقدير لا تعجل ببعض القرآن من قبل أن يتمّ إليك وحي الباقي منه .
وحمل الكلام على الاستخدام يتوقّف على القرينة الخاصّة ، بخلاف الحال ما لو جعلنا مرجع الضمير متّحد بلا استخدام ، فإنّ تقدير المعنى يكون حينئذ : لا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه مرّة أخرى ، أي وحي الإنزال والتنزيل من النمط الثاني وهو نزول القرآن تفصيلاً ونجوماً ، فيدلّ على علمه ( صلى الله عليه وآله ) به من قبل أن يتمّ الوحي من النمط الثاني .
وممّا يدلّ على تعدّد نزول القرآن أيضاً قوله تعالى : ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( 1 ) ، فإنّ المطهّرون وهم النبيّ وأهل بيته ( عليهم السلام ) عالمون بالكتاب المكنون بمسّ وصول يختلف عن تنزيل القرآن المفصّل ، فالكتاب المكنون قد تقدّم أنّه الوجود المجموعي للقرآن بنحو الإحكام والوجود الجملي ، وهو الحقيقة الواحدة وهي الروح الأمري الذي يتجدّد نزوله في كلّ ليلة قدر في كلّ عام ، وتتنزّل الملائكة به وهو روح أعظم من جبرئيل وميكائيل .
وممّا يشير إلى اختلاف النزولين أيضاً قوله تعالى : ( كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) ( 2 ) ، وقد ثبت في تفسير الآية بحسب نزولها المكّي وبحسب وحدة سياق السورة مع الآيات السابقة عليها وبحسب توسّم
هامش
( 1 ) سورة الواقعة 56 : 77 - 80 .
( 2 ) سورة الرعد 13 : 43 .