وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافاً كثيراً ، وتحصّل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولاً ، كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة الجمعة ، وقد اشتركنا في إخفاء كلّ منهما ليقع الحدّ في طلبهما :
القول الأوّل : إنّها رُفعت أصلاً ورأساً ، حكاه المتولّي في التتمّة عن الروافض ، والفاكهاني في شرح العمدة عن الحنفية ، وكأنّه خطأ منه ، والذي حكاه السروجي أنّه قول الشيعة .
أقول : بل الشيعة الإمامية هم المذهب الوحيد على وجه الأرض القائلون ببقاء الاتّصال بين الأرض والسماء ، وأنّ هناك سبب متّصل هو الإمام من عترة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، وإن لم يكن هذا الاتّصال وحياً نبويّاً ، وهو الذي يتنزّل عليه الروح الأعظم والملائكة كلّ عام بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، بينما المذاهب الإسلامية كلّها حتّى الزيدية ، وإن قالوا باستمرار الإمامة السياسية وعدم حصرها بالأئمّة المنصوص عليهم وأنّ الإمامة هي لكلّ من قام بالثورة على الظلم ولا يشترط فيها العصمة ، إلاّ أنّهم قائلون بانقطاع الاتّصال أيضاً بين الغيب والشهادة ، وانقطاع الاتّصال ذهبت إليه اليهود بعد النبيّ موسى ( عليه السلام ) ، كما ذهبت إليه النصارى بعد النبيّ عيسى ( عليه السلام ) .
وقال : وقد روى عبد الرزّاق من طريق داود بن أبي عاصم ، عن عبد الله بن يخنس : قلت لأبي هريرة : زعموا أنّ ليلة القدر رُفعت ، قال : كذّب من قال ذلك .
ومن طريق عبد الله بن شُريك قال : ذكر الحجاج ليلة القدر فكأنّه أنكرها ، فأراد زر بن حُبيش أن يحصبه فمنعه قوم .
الثاني : إنّها خاصّة بسنة واحدة وقعت في زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، حكاه الفاكهاني أيضاً .
الثالث : إنّها خاصّة بهذه الأمّة ، ولم تكن في الأمم قبلهم ، جزم به ابن حبيب وغيره من المالكية ونقله الجمهور ، وحكاه صاحب العدّة من الشافعية ورجّحه ،
الإمامة الإلهية ، محاضرات آية الله الأستاذ الشيخ محمد السند — صفحة 292
مساهمون: الشيخ صادق الساعدي
ص٢٩٢