وتركيب شخصيّته ليست بنحو يتصوّر انفكاك فطرته الغريزية وفطرته الإنسانية والعقلانية عن فطرته الوحيانية ، وبالتالي هيمنة الفطرة الوحيانية على تمام درجات فطره الأخرى ، وذوبانها فيها ، وتبعيتها وانقيادها لها ، وإنصباغها وتلوّنها بها ، فلا مجال للتفكيك والتفكّك ، ولا للانفصال والفصل ، بل كلّ حركاته وسكناته خوضه وامساكه قوله وفعله حلّه وترحاله مسيره وخطواته ، كلّ ذلك متن وحياني ونموذج أمثل ركّبته يد القدرة الإلهية ; ليحتذي به النبيّون والمرسلون والأوصياء والمصطفون ، فضلاً عن سائر البشرية .
فالتفكيك في شخصيّته بين الشؤون الشرعية وأمور الحياة الاعتيادية نظرية خاطئة متفشّية في بحوث المعرفة والعلوم الدينية ، ولأجل الوقوف على مفاد الآيات الكريمة السابقة لابدّ من تحرّي المراد من كلّ من العناوين الواردة فيها ، من الوحي والنطق والهوى والضلال والغواية .
أمّا العنوان الأوّل : فالوحي ، الذي هو مصدر نطق النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، كما أنّه علّة بثلاث قضايا الأخبار في الآيات ، حيث قد سبق الأخبار عن حصر مصدر النبيّ ومعتمده علي الوحي : ( إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) ، قد سبقه ثلاثة إخبارات : الأوّل : ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ) ، الثاني : ( وَمَا غَوَى ) ، الثالث : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) ، فجاء الإخبار الرابع : ( إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) في مقابل الإخبارات الثلاثة ، أي في مقابل المنفي في الإخبارات الثلاثة ، فهو بمنزلة العلة للنفي فيها ، فليس هو تعليل للنفي في الإخبار الثالث فقط كما شاع في كلمات جملة من المفسّرين وأبحاث العلوم الإسلامية ، بل هو تعليل للنفي في كلّها .
وعلى ذلك ، فالضمير في الإخبار الرابع ( إِنْ هُوَ إِلاَّ . . . ) لا يعود إلى النطق ، بل
الإمامة الإلهية ، محاضرات آية الله الأستاذ الشيخ محمد السند — صفحة 258
مساهمون: الشيخ صادق الساعدي
ص٢٥٨