الميزان ، فالآية تشير إلى أنّ الموصوفين بجعلهم أئمّة من قبله تعالى مؤيدون بحقيقة أمرية من عالم الأمر ، وهو روح القدس الطاهرة ، ومسدّدون بقوّة ربانية ينبعث منهم بتوسّطها فعل الخيرات .
والقرينة الأخرى على إرادة الوحي التسديدي في الآية المزبورة : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) ، أنّه لو أريد الوحي التشريعي لفُصل بين كلمة الوحي وكلمة فعل الخيرات بأنّ ونحوها ، كما هو الشائع في الاستعمال القرآني واللغوي .
وممّا يعضد استعمال الوحي في الأعمّ من الوحي التشريعي ( الأنبائي ) والتسديدي قوله تعالي : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ ) ( 1 ) ، فإنّ الإيحاء بالروح الأمري ( أي من عالم الأمر ) المراد به تسديده ( صلى الله عليه وآله ) بذلك الروح لا صرف الأنباء ، بقرينة ذكر كلّ من الكتاب والإيمان ، فإنّ الإيمان فعل تسديدي نظير : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) ، مضافاً إلى أنّه جعل متعلّق الوحي في قوله تعالى : ( أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) هو نفس الروح ، ممّا يدلّل على إرساله ليلتحم بروح النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) .
فيتحصّل في مفاد الآية تعليل هدي النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ورشاده ( صلى الله عليه وآله ) ونور نطقه بأنّ الباري اصطنعه بيد القدرة الربانية ، كما في قوله تعالى : ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) ( 2 ) ، وقوله تعالى في شأن النبيّ موسى : ( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ) ( 3 ) ، بنحو يكون جميع شؤونه وحيانيةً . ومن ثمّ فرض الباري على البشرية لزوم التأسّي برسوله في جميع شؤونه ، حيث قال : ( لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) ( 4 ) ، وأطلق تعالى الأمر بالأخذ بجميع ما يأتي به النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) والانتهاء عمّا ينهى عنه ، فقال : ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) .
هامش
( 1 ) سورة الشورى 42 : 52 .
( 2 ) سورة طه 20 : 39 .
( 3 ) سورة طه 20 : 41 .
( 4 ) سورة الأحزاب 33 : 21 .