بين توحيد الحكم وتوحيد العبادة من جهة ، وبين عبادة الأرباب من دون الله من جهة أخرى ; لكونها بدون سلطان وأمر منه تعالى ، ممّا يقتضي أنّ مدار الشرك في العبادة في قبال التوحيد في العبادة يدوران مدار وجود الأمر الإلهي وعدمه .
فتؤكّد هذه الآيات على أنّ شرك الوثنيين وعبدة الأصنام ليس بسبب وجود الواسطة بين البشر والباري ، ولا بسبب وجود الوسيلة ، بل إنّما شرك الوثنيين هو بسبب استقلالهم باتّخاذ الواسطة من عند أنفسهم ، وتقديم اختيارهم وإرادتهم على اختيار الله وإرادته . ففي الآيات تقرير لضرورة الوسيلة والواسطة ، فأمّا الوثنيون فأشركوا إرادتهم ومشيئتهم مع إرادة الله ومشيئته ، ونازعوه في سلطانه .
ومن ثمّ تكرّر التعبير في هذه السور والآيات لعنوان عدم السلطان لهم بذلك من الله ، فجعلوا لأنفسهم سلطاناً يشاركون فيه سلطان الله في تعيين الواسطة والباب إليه تعالى ، كما فعل إبليس عندما اقترح على الله نفي الواسطة المنصوبة من قبله تعالى ، مقابل أن يعبده كما هو يريد لا كما يريد الله وكان هذا حال مشركي العرب وعبدة الأصنام الذين عبدوا الله من حيث يريدون لا من حيث أراد الله .
فالعقيدة الشركية ليست في الانقياد لواسطة الباري ، وإنّما في إشراك إرادة العبد في العبادة مع إرادة المعبود ، ومن ثمّ كان سجود الملائكة لخليفة الله آدم توحيد ، وإباء إبليس عن الانقياد للواسطة شرك وكفر ; لأنّ سجود الملائكة لآدم كان بأمر من الله وسلطان منه ، كما قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) في تفسير سجود الملائكة له : « إنّ من سجد بأمر الله فقد سجد لله فكان سجوده لله إذ كان عن أمر الله » ( 1 ) .
فالشرك يدور مدار إشراك العبد سلطان نفسه في العبادة وكيفيتها مع سلطان الباري ، لا في وجود الواسطة من حيث هي واسطة والوسيلة من حيث هي وسيلة .
هامش
( 1 ) البحار 11 / 138 .